{ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ } : أى أن ينسب إلى الغلول ، أى أن يفعل ما ينسب به الغلول ، أو أن يوجد غالا ، فهو مبنى للمفعول من أغل بالهمزة التى هى لنسبة الشىء إلى الفعل ، يقال أفسقت فلانًا أى نسبته إلى الفسق ، أو التى لإلفاء الشىء على ما هو عليه ، كأحمدته غذ وجدته محمودًا فانظر في فىشرحى على اللامية ، وقرأ ابن كثير وبو عمرو وعاصم بفتح الياء ، وضم الغين وعلى القراءتين جميعًا: الغلول أخذ شىء من الغنيمة خفية ، قال مقاتل والكلبى والنقاش: نزلت الآية في غنائم أحد ، حين ترك الرماة المركز للغنيمة ، وقالوا: نخشى ان يقول النبى ، A ، من أخذ شيئًا فهو له ، وألا تقسم الغنائم كما لم تقسم يوم بدر ، وذلك أنه أنفلها يوم بدر ، ولم يقسم وقيد قسمها يوم بدر بالسوية ، بعد ان جعلت له فتركوا المركز ، ووقعوا في الغنائم ، فقال لهم النبى ، A: « ألم أعهد إليكم أن لاتتركوا المركز حتى يأتيكم أمرى؟ » قالوا: تركنا بقية إخواننا وقوفًا . فقال A: « بل ظننتم أن نغل فلا نقسم » فنزلت الآية . و { نغل } فى الحديث بمعنى أن لا نعدل في الغنيمة بأنا نعطى بلا قسم ، ومثل ذلك ما روى عن ابن عباس ، رضى الله عنه ، أن المعنى ما كان لنبى أن يعطى طائفة من الغنيمة ، ويمنع أخرى ، أو يعطى بلا قسم وعدل ، بل يعطيهم كلهم بعدل ، فاقتدوا به يا معشر المسلمين ، ومثل ذلك ما روى أنه ألح عليه قوم من الأقوياء يسألونه من الغنم ، فنزلت الآية منعًا له أن يعطى أحدًا فوق سهمه ، أو يعطى من لا سهم له ، وغلظ عليه بأن سمى ذلك غلولا ، وفى رواية عن ابن عباس: نزلت بسبب قطيفة حمراء فقدت من الغنائم يوم بدر ، فقال: بعض المؤمنين لعل رسو الله A أخذها ، يعنون أنه لعله أخذها بان يكون أجاز الله له أخذها ، وقيل: قال بعض المنافقين لعله أخذها ، وذلك جهل منهم او طعن ، وقيل: المفقود المقول فيه المقالان هو السيف . وروى عن الضحاك أنه بعث رسول الله ، A ، طلائع تطلع على حقيقة أمر العدو في بعض غزواته فغنم A بعد ان بعثهم ، فقسم لمن حضر ولم يعط الطلائع ، فزجره الله على ذلك ، وغلط عليه بأن سمى ذلك غلولا ، ونزلت الآية في ذلك .
وقيل: الغلول هنا إخفاء الوحى أو بعضه رغبة اورهبة أو مداهنة ، أى ما كان لنبى أن يكتم شيئًا مما أوحى إليه ونفى الغلول بهذا المعنى . والغلول على معنى أن يأخذ الشىء لنفسه ، أو يعطيه غيره ، وظاهر العموم ، وأما جعلنا الغلول في قسم الغنيمة فالعموم يظهر ، لأن الإبقاء لا تحل لهم ولأممهم الغنائم إلا رسول الله ، ، فإما أن يراد كا كان لنبى عظيم القدر ، هو محمد أن يغل فالتنكير للتعظيم لا للتعميم ، ولا مفهوم له أن يغل غيره للعم ، بأن الغنائم لا يحل لغيره ، كأنه قيل لا يصح له أن يغل فكيف ينسب للغلول؟ أو كيف فعلت يا محمد فعلا بعد غلول وليس به ، وإما أن تراد أمه على هذا النحو ايضًا أو على أنه جاء لإمكان غلول الأمم قد وقع ، وإما على معنى أنه ما غل نبى قط ، فنفى اللازم بنفى الملزوم ، فيصح العموم فبعض لم يغل ، لأنه لم يصح له ولأمته أكل الغنائم مع العصمة ، وبعض للعصمة فقط ، وهو سيدنا محمد ، A ، وإما على معنى أنه يستحيل الغلول في حقهم كما تقول يستحيل الكذب في حقهم ، أعنى أنه ينفى الشىء ولو لم يمكن ، وذكر الغلةول مناسب لذكر الجهاد كقبله .