{ وهَذا كتابٌ } أشار إلى القرآن { أنزلْناهُ } خبر ثان { مُباركٌ مُصدقُ الَّذى بَيْن يَديْه } خبر ثالث ورابع ، أخبر بأن الله أنزلهُ ليعلموا أن تركيب كلماته من الله تعالى ، فإعجازه بألفاظه ومعانيه من الله تبارك وتعالى لا من رسوله A ، ومعنى مبارك أن الله جعله كبير الفوائد والنفع ، صاحب بركة ، والبركة زيادة الخير ، وفى كونه منزلا مباركًا دلالة على كونه مخلوقًا ، إذ نقل وصبر ، وإن قالت الأشعرية: المنزل المبارك هذه الألفاظ ، وقالوا إنها ليست قرآنا ، وإن القرآن مسماها وهو معنى قائم بنفس الله سبحانه عن مقالتهم ، لزم أن القرآن لم ينزل ، بل نزل ذاته فشابه قولهم قول فنحاص ومالك ابن الصيف ، وما أنلز الله على بشر من شئ ، ولزم أن الله محل فوالله الذى لا إله سواه ، ما رأيت ديانتهم في مثل هذا الأخطاء .
والعلم إما نظرى ، وأشرف هذه النوع معرفة الله D ولا يوجد منه في غير القرآن من كتب الله ، ما وجد في القرآن ، وإما عملى بالجوارح ، وإما عملى بالقلب وهو علم الأخلاق وتزكية النفس وهما فيه أكثر منهما في غيره ، ومعنى كونه مصدقا لما بين يديه من كتب أنه موافق له في أصول الشرائع وما لا ينسخ ، وفى الكثير من الفروع وما تختلف فيه فقد وافقها بأن كلا من الله ، وأن كلا حكمة من الله لأهل زمانه ، ومن أرسل إليهن به ، وأن كلا منذر مبشر أمر ونهى أو نحو ذلك ، وأما ما نسخ القرآن منها ، فقد وافقه القرآن أيضا من وجه آخر هو أن الله جل جلاله كتب العمل به إلى أن يأتى نسخه بالقرآن ، فنسخه بالقرآن مصدق لهذا الأجل الذى في علم الغيب عند الله تعالى واقع على ما نسخ ، والذى بين يديه التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب الله .
{ ولتُنْذر أمّ القُرى } أى وأنزلناه لتنذر به أم القرى ، فهو متعلق بمحذوف ، ويجوز أن يكون من العطف على المعنى المسمى في غير القرآن عطف توهم ، باعتبار أن المعنى وهذا كتاب أنزلناه للبركة ، وتصديق ما بين يديه ، ولإنذار أم القرى ، ففى هذا الوجه هو متعلق بأنزلناه المذكور بواسطة العطف ، وسميت مكة أم القرى لأنها قبلة أهل القرى ، فأهل كل قرية يستقبلون إليها في الصلاة ، فهن فروع توابع وهى أصل متبوع ، وقيل: لأنها أعظم القرى بركة ، فهكذا الآن ، أو البيت فيه أول ما يبنى على الأرض ، ثم رأيته للقاضى والحمد لله ، وقيل: لأنه يجتمع إليها الحجاج ، وقيل: لأن الأرض سقطت منها ، وعلى كل حال يقدر مضاف أى ولتنذر أهل أم القرى ، ولذلك عطف عليها الناس فقال:
{ ومَنْ حَوْلها } أى ومن في جوانبها من الناس في بلادهم شرقًا وغربًا في الدنيا كلها ، وقرأ أبو بكر عن عاصم: ولينذر أم القرى بالمثناة التحتية ، أى ولينذر الكتاب ، واختار لفظ حولها إشارة إلى أنها بالأمومة صارت كأم تجتمع حولها أولادها وتلوذ ، والأم أصل لولدها ، فهى لكونها قبلة للقرى صارت كالأصل لسائر القرى ، وكالأم يجتمع ويقصدونها كما تقصد الأولاد أمهم ، ويجتمعون عندها ، ولما عظم شأنه صارت كالأم بالنسبة إلى الأولاد ، وأيضا بسط الأرض من تحتها شبيه بولادة الأم ولدها ، وأيضا البيت فيها أول بناء على الأرض ، فهو كالأم في سبق الولد ، وأنه سبق البيوت .