فهرس الكتاب

الصفحة 156 من 7680

{ يَا آيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمْ } : لما ذكر المؤمنين والمشركين والمنافقين وخواص هؤلاء الفرق الثلاث ، ومصارف أمورهم كصرف المؤمنين حواسهم إلى الحظوظ الآجلة ، والمشركين والمنافقين حواسهم إلى العاجلة ، أقبل عليهم بالخطاب على طريق العريب ، في التفاتها من الغيبة إلى الخطاب ، تحريكًا للسامع وتنشيطًا له ، واهتمامًا بأمر العبادة وتفخيما لشأنها ، فإن التفنن في الكلام والخروج فيه من تصنيف إلى تصنيف ما يستدعى زيادة إصغاء ، هذا كما تقول لمخاطبيك: إن من فعل كذا أو كذا لحميد وإن جزاءه من الخير كذا وكذا ، وإن من فعل كذا وكذا لذميم ، وإن عقابه كذا وكذا يا بنى فلان أنه حق عليكم أن تنظروا لأنفسكم ولا تهملوها وتلزموها طريق النجاح لتفوزوا عن الهلاك إلى الفلاح ، ولما كان في عبادة الله - جل وعلا - بخطابه الناس ، لأن في خطابه إياهم لذة وإيناسًا . وإنما ناداهم بيا وهى للبعيد والله - سبحانه وتعالى - أقر من حبل الوريد ، لأنهم بسهوهم وغفلتهم منزلون بمنزلة البعيد ، وللتأكيد في النداء إيذانًا بإنما يتلو النداء مما يهتم به الغافل ، والبعيد يعتنى بأمره خوفًا عليه أكثر مما يعتنى بالقريب ، وأما دعاؤنا الله بيا فاستبعاد لأنفسنا واصتقصار لها عن مظان الزلفى الموسومة للمقربين ، وهضم لها وإقرار بالتفريظ في جنب الله ، ومبالغة في الدعاء وطلب الإجابة ، وأى اسم جنس مبهم جعل وصلة لنداء ما فيه أل ، لأن حرف النداء وأل متماثلان ، ولا يجتمع تعريفان ، وهى نكرة مقصودة ، ولما كان اسم جنس مبهمًا لزم بعده اسم جنس آخر مقرون بأل يزيل إبهامه ، أو ما يجرى مجرى اسم الجنس نحو: يا أيها الزيدون ، ويا أيها ذا ، ففى ذلك فائدة الإيضاح بعد الإبهام ، وهو نوع تأكيد ، وها للتنبيه جاء بها تعويضًا عما يستحق أى من المضاف إليه ، والتنبيه تأكيد ، فهذا تأكيد آخر ، فذلك ثلاث توكدات: النداء بياء والتنبيه والإيضاح بعد الإيهام ، ولا يقطع ما بعد أنها عن الضم إشعارًا بأنه المقصود بالنداء ، والضمة فيه أو نائبها مناسبة للفظ أى وهو مقدر النصب بفتحة أو نائبها لا إعراب ولا بناء ، لكن لما كانت حركة المنادى وحرفه النائب عنها كحركة الإعراب أو نائبها لحدوثها بحرف النداء اتبع فيه المنادى ، وهذا أولى من أن يجعل ذلك في تابع أيها إعرابًا على نية أن المنادى نائب الفاعل تقدير الفعل النداء مبنيًا للمفعول ، كقولك في الإنشاء يدعى الناس وللتوكيدات الثلاث في ذلك كثر النداء ، في القرآن في كل أمر عظيم حقيق بالتفطن له والإقبال عليه ، والأصل في أل العموم فإذا لم يدل دليل على العهد أو غيره حملت على العموم أو الجنس ، سواء دخلت على الجمع كالملائكة أو اسم الجمع كالناس أو المفرد كالإنسان ، ولذلك صح الاستثناء منها والتوكيد بما يؤكد الجمع نحو:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت