فهرس الكتاب

الصفحة 2857 من 7680

{ أنزلَ منَ السَّماء ماءً } عذابا نافعا أى من جهة السماء وجهتها هى السحاب هنا ، أو من السحاب نفسها ، لأنها تسمى سماء ، لأنها تسمى سماء ، لأنها علت وأظلت ، ن أو من السماء حقيقة على ما قيل: إن الماء منها ، أو مبادئ الماء منها ، والسماء يؤنث ويذكر .

{ فَسَألتْ } جربت { أوْدِيةً } جمع وادٍ على غير قياس ، وهو الموضع الذى يسيل فيه الماء بكثرة ، فإسناد السيلان إليها مجاز عقلى من إسناد الحال إلى المحل ، فإنه السايل الماء لا الأودية ، أو استعمل الأودية بمعنى الماء من باب تسمية الحال باسم المحل ، فالألودية مجاز لغوى مرسل ، أو يقدر مضاف ، أى ماء أودية ، فالأودية مجاز بالحذف أو الأصل ، فسالت أودية ماء ، فحذف التمييز ونكر الأودية ، لأن المطر يأتى على تداول بين الأودية ، وكذا السيلان ، فإن المطر لا يعم الأرض ولا يسيل في كل واد ، بل ينزل في أرض دون أرض ، ويسيل في واد دون واد .

{ بقَدَرها } بما قدر الله تعالى لها من ماء يسيل فيها ، أو القدر بمعنى القدْر بإسكان الدال ، أى بمقدارها الذى في علم الله أنه نافع غير ضار ، لأن الماء مثل للحق موجب أن يكون نافعا غير ضار لأرضاى الناس أو بنائهم أو حرثهم أو شجرهم وغيرها ، كما قال: { وأما ما ينفع الناس } أو بمقدارها في الصغر والكبر .

{ فاحْتملَ } حمل ورفع ، فافتعل هنا لموافقة المجرد ، أو حمل قويا فهو للمبالغة { السَّيلُ } ماء المطر الجارى في الأودية { زَبَدًا } جسم أبيض رقيق يتولد من الماء عند الزيادة ، ويعلو عليه ، هذا هو المراد عندى ، قيل: ويجوز أن يراد ما يحمله الماء من حشيش وأعواد ونحوهما ، أو مجموع ذلك المذكور من الجسم الأبيض ونحو الحشيش { رابيًا } عاليا فوق الماء ، أو منتفخا ، فالماء مثل للحق في إفادته ونفعه وثابته ، فكما أن الماء النازل من السماء ينتفع به أنواع المنافع شرابا وطعاما وسقيا للحرث والشجر والنبات ، وبناء وغسلا للوسخ من الأرض وبدن وثوب ، وغير ذلك ، وثبت بعضه في موضعه أيام ينتفع به ، ويسلك بعضه في عروق الأرض إلى العيون والآبار والقنى .

كذلك الحق وهو دين الله ، والقرن ينتفع به دنيا وأخرى ، ويثبت في القلب راسخا كالنور ، يتوصل به صاحبه إلى المنافع ، وتحترز به عن المضار ، وينكس الظلمة والغفلة عن القلب بقدر ما أوتى منه ، والزبد مثل للباطل ، فكما أن ذلك الزبد لا تقع فيه في ظاهر الأمر لنا ، ولو كان خلقه حكمة ، ولا يثبت ، فكذلك الباطل .

وذكر الشيخ إسماعيل في القناطر وغيره من العلماء ، لإدخال كلام بعض في كلام بعض: أن الأرض ثلاثة أنواع ، وكذا الناس إذ خلقوا منها ، فأرض تنتفع بالمطر تمسكه وتنبت فينتفع الناس والدواب وغيرهم بمائها ونباتها ، فكذا من علم وعمل ينتفع ، وينتفع به غيره ، وأرض تمسك المطر ولا تنبت فكذا ، من يحفظ العلم ويتسنبط منه ولا يعمل به لو يحفظه فقط ، ولا يعمل ، فإنه ينتفع غيره بعلمه ، كما يسقى الماء من تلك الأرض ، وأرض لا تمسك الماء ولا تنبت ، كذلك من لا يحفظ العالم ولا يعمل به ، وأنه قد أشار إلى ذلك حديث عن رسول الله A ، ذكره البخارى وسلم:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت