« أن مثل ما بعثنى الله به من الهدى والعلم ، كمثل غيث أصاب أرضا فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلاء » أبى المد وهو الرطيب والياس من الحشيش قال: « والعشب الكثير فكان منها أجادب » أى بجيم ودال مهملة أى أماكن غير مخصبة أو أماكن تمسك الماء ولا يسرع فيه التصوب ، وفى رواية: « أخاذان » بالخاء والذال المعجمتين جمع أخاذة وهى الغدير يمسك الماء قال: اكتسب الماء نفع الله به الناس ، شربوا ورعوا وروى « وزرعوا وأصاب طائفة أخرى منها الماء فيعانا أى مستوية ، قال: لا تمسك ولا تنبت كلاء فذلك مثل ما فقه في دين الله ونفعه ما بعثنى الله به فعلم وعمل ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ، ومن لم يقبل هدى الله الذى أرسلت به » { وممَّا } خبر ومبتدأه زيد المذكور بعد ، ومن للتعبيض أو للابتداء ، أى زبد مثل زبد الماء ثابت مما الخ ، ويقدر كونا خاص أى ناشئ مما الخ { يُوقِدونَ } أى تجعلون الحطب للتقد النار ، وقرأ حمزة والكسائى وحفص: يوقدون بالمثناة التحتية ، والضمير للناس للعلم بهم ، أو للصواغين والحدادين للعلم بهم من السياق اللحق { عَليهِ } الاستعلاء معنوى مجازى لا حسى حقيقة ، فإن الإيقاد يكون تحت ما أريد أن يذوب لا فوقه ، لكن ذلك الإيقاد يؤثر في ذلك ، ويذيبه فذلك تغلب عليه ، فجعل استعلاء ، ويجوز أن تكون على للتعليل .
{ في النَّارِ } متعلق بتوقدون ، لأن معناه يلقون لحطب في النار ، أو بمحذوف حال من الهاء ، والمراد بذلك الذى يوقد عليه الذهب والفضة ، والحديد والنحاس والرصاص بها ونحوها ، مما يستخرج من المعادن ، ويوقد عليها ، وعبر عن ذلك بما ولم يصرح بها تهاونا ، واظهارا لكبريائه تعالى ، وتعريضا بمن يرغب فيها ويحرص { ابتِغاءَ } مفعول لأجله أى لطلب { حِلْيةٍ } زينة أو ما يتزين به كأطواق الذهب والفضة ، والقرط والسوار والخلخال ، وليس ذلك مختصا بالذهب والفضة كما قيل: وإنما هما الغالب في ذلك وهاء عليه عائدة إلى الذهب والفضة فقط كما قيل ، بل إلى ما العامة لهما ولغيرهما .
{ أو مَتاعٍ } ما يتمتع به أو التمتع ، وذلك كأوان الشراب والطعام ، والادخار ، والأطباق والقدر والكانون ، وآلات الحرث ، وآلات الحرب ، والدرهم والدينار والفلس ، وفائدة قوله: { ابتغاء حلية أو متاعٍ } بيان منافع ما يقود عليه ، وتلويح إلى بيان الموقد عليه من حلى بأنه ما تتخذ منه الحلى والأمتعة ، ولم يذكر منفعة الماء لظهورها ولم يلوح إلى معنى الماء لأنه معلوم { زَبدٌ } ما يعلو المذاب من وسخ تنقيه نار الصواغ والحداد { مثْلُه } أى مثل زبد الماء ، فألحق كالذى يتخلص من الموقد عليه من حلى وأمتعة في الحسن والبقاء والاستنفاع ، والباطل كالوسخ المتولد من الموقد عليه في عدم الانتفاع به ، وعدم الحسن .