{ أوَلَم ينْظُروا } بأعينهم نظر استدلال واعتبار أو بقلوبهم { في مَلَكُوت السَّموات والأرضِ } أى في ملكه العظيم الذى هو السموات والأرض ، والإضافة للبيان ، والعظم مستفاد من زيادة الواو والتاء في ملكوت ، أو الإضافة ظرفية أى في أعظم ما ملكه فيهن { وَمَا } عطف على ملكوت ، أو على السموات أو الأرض بمعنى الذى { خَلَق اللهُ مِنْ } بيانية متعلقة بمحذوف حال من ما ، أو من رابطها المحذوف { شَئٍ } وتلك الحال مؤكدة لعموم ما كأنه قيل: لو نظروا في مخلوق ما من مخلوقاته كائنا ما كان مما يقع عليه اسم الشئ ، وهو في هذه الآية كل موجود من ذات وفعل وعرض ، لعرفوا به الله قال أبو العتاهية:
فى كل شئ له آية ... تدلُّ على أنه واحد
{ وأنْ مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن ، وهى مع هذا مصدرية ، ولا يجوز أن تكون هى الخفيفة الناصبة للمضارع إذا دخلت عليه هى التى مصدرية ، لأنها داخلة على جامد خلافا للقاضى ، والعطف على ملكوت عَسَى } توقع بالنظر إليهم ، واسمها ضمير الشأن أيضا وما بعدها خبرها ، أو هى تامة في ما بعدها فاعل { أنْ يَكونَ } اسمها أيضا ضمير الشأن وخبرها { قَدِ اقْتَرب أجَلُهم } ويجوز كون أجل اسم يكون ، فيكون ضميره في اقترب ، وكونه اسم عسى فيكون ضميره في يكون وفى اقترب ، وسيأتى بحث في ذلك ، فإذا كانوا على توقع من اقتراب أجلهم وهو الموت قيل: أو الساعة فمالهم لا يسارعون إلى طلب الحق ، وما ينجيهم قبل حلوله ، فإنه لا ينفعهم بعده نظر ولا إيمان كما قال:
{ فَبأىِّ حَديثٍ بَعْده } أى بعد أجلهم { يُؤمنُونَ } إيمانا نافعا ، أى لا حديث ينفعهم الإيمان به بعده ، فانهم بعده يؤمنون بجميع الآيات ، ولا ينفعهم ذلك ، فالكلام متصل بما قبله ، والاستفهام إنكار وتوبيخ وتعجيب ، وبعده نعت حديث ، أو متعلق بيؤمنون كما تعلقت به الباء ، ويجوز عود الهاء لمحمد أو لأمره ، ويجوز عوده للقرآن ولو لم يذكره لحضوره في الذهن بقوله: { فبأى حديث } والمعنى فبأى حديث يؤمنون بعد القرآن الذى جاء به محمد ، فإنه لا أفصح من القرآن ولا من محمد ، فإذا لم يؤمنوا بهما لم يكن غيرهما سببا في إيمانهم ، ولأنه لا كتاب بعد القرآن ، ولا نبى بعد محمد ، فلا حديث يأتيهم بعدهما من الله ، فيجوز أن يكون الكلام راجعا إلى محذوف أى إذا لم يؤمنوا بالقرآن أو بمحمد فبأى حديث بعده يؤمنون .