{ وَإِذَا قِيلَ } : أى قال المؤمنون: أو الله والنبى والمؤمنون ، أو رسوا الله A ، واختار الفخر التخريج على أحدهما أو الله D ، أو النبى والمؤمنون ، أو الله والنبى والمؤمنون ، بإخلاص كسرة القاف من قبل ، وكذا حيث وقع وكذا غيض وجئ ، وقال الكسائى وهشام ذلك كله بإشمام الضم لأوله .
{ لَهُمْ } : أى المنافقين المذكورين وقد علمت أن بعضًا يقول أن الكلام على اليهود .
{ لاَ تُفْسِدُوا فِى الأَرْضِ } : لا تفعلوا ما يؤدى إلى الفساد ، فذلك تعبير بالنهى عن المسبب ، بدلا للتعبير بالنهى عن السبب ، أو تعبير بالنهى عن المسبب بدل التعبير بالنهى عن السبب ، أو تعبير بالنهى عن اللازم بدل التعبير بالنهى عن اللزوم ، فذلك مجاز مرسل تبعى ، فالفساد مسبب ولازم ، وفعل ما يؤدى إليه وما سبب ولزوم وهكذا يظهر لى معنى الآية ، وإن شئت فقل سمى فعل ما يؤدى غلى الفساد فسادًا من باب تسمية الشئ باسم ما يؤول إليه ، واشتق منه تفسد بمعنى تفعل ما يؤدى إلى الفساد ، وهو مجاز مرسل تبعى ونهى عنه ، والداعى إلى هذه الأنواع المجازية أن الإفساد في اللازم هو قتل الأنفس والإضرار بها ، وقتل الدواب والإضرار بها ، وقتل الشجر والنخل والزرع والإضرار بها ، وغصب الأموال وليسوا يفعلون ذلك حال النهى ، بل يفعلون ما يترتب عليه ذلك من تهيج الحرب والفتنة بالكذب والنميمة ، وإفضاء السر وغير ذلك مما يقع منهم إلى الكفار في شأن المؤمنين ، وترجيح الكفار ، ومساعدتهم على المؤمنين ، وإظهار المعاصى والإهانة بالدين المؤفقين في فساد الخلق ، فإن الإخلاء بالشريعة يؤدى إلى العدى إلى حق الغير ، ثم ظهر في فكرى وجه آخر ، وهو أن يكون مقولا تفسدوا في الأرض لا تخالفوا الشريعة فيها ، على أن يكون مخالفة الشريعة هو نفس الإفساد في عرض الشرع ، ولو مع قطع النظر عما يؤدى إليه من الفساد المذكور فتكون الآية حقيقة عرفية خاصة مجازًا في أصل اللغة ، والفساد خروج الشئ عن الاعتدال والانتفاع به ، فالإفساد إخراجه عن الاعتدال والانتفاع به .
{ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ } : رد على من نسب إليهم الإفساد ، ونهاهم بأن أنكروا أن يكونوا مفسدين ، وأثبتوا الإصلاح لأنفسهم بوجه بليغ ، إذا عبروا بإنما المفيدة للحصر ، وهو هنا حصر أنفسهم على الإصلاح وبنوا الكلام على نحن ، فكانت الجملة اسمية ، ولم يقولون إنما نصلح إصلاحًا بإسقاط نحن ، وتكلموا بالاستئناف لا بالعطف ، والاستئناف يفيد التأكيد لكونه جواب سؤال ، وطلب تحقيقًا أو تقديرًا ، والمعنى لا يصح نهيًا عن الإفساد لأنه ينهى عنه من هو مفسد ، ونحن لسنا بمفسدين ، ما حالنا إلا إصلاح لا يخالطه شئ من إفساد وذلك أنه زين لهم سوء أعمالهم فرأوه حسنًا فليسو بمقلعين عنه ، والصلاح كون الشئ معتدلا منتفعًا به ، والإصلاح تكوينه كذلك بعد أن لم يكن كذلك أو بعد أن كان فاسدًا ضارًا ، والإصلاح بهم كل نافع ، والإفساد يعم كل ضار ، وقالوا جواب إذ لا محل له لأنه جواب شرط غير جازم ، وجملة الشرط والجزاء ، وأداة الشرط معطوفة على يكذبون ، فهى في محل نصب لعطفها على خبر كان ، كأنه قيل: بكونهم يكذبون ، وكونهم إذا قيل لهم لا فتسدوا في الأرض ، قالوا إنما نحن مصلحون أو معطوفة على يقول ، سواء ، فلا محل لها لأنها معطوفة على الصلة ، كأنه قيل: ومن الناس من إذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض .