فهرس الكتاب

الصفحة 2279 من 7680

{ قُلْ لا أمْلكُ لنفْسِى نَفْعا ولا ضَرًّا } أى جلب نفع ولا دفع ضر ، بل أنا عبد ضعيف كسائر المماليك ، وذلك انتفاء عما يختص بالربوبية من علم الغيب ، كوقت الساعة ، والقدرة على النفع والضر على الإطلاق { إلا ما شَاءَ اللهُ } أن أملكه وأقدر عليه من جلب أو نفع ، فالاستثناء متصل باعتبار إنما سبق في علم الله أنه يجلبه أو يدفعه بإلهام الله وتوفيه قد ملكه ، وإن أريد إلا ما شاء الله أن يكون فإنه يكون ، أو إلا ما شاء الله من إلهام وتوفيق فالاستثناء منقطع .

{ ولَوْ كنتُ أعلمُ الغَيْب } على الإطلاق ، وإنما علمت بعضه فقط وهو ما أخبرنى الله به ، فلا حاجة إلى قول بعضهم: إنه قال ذلك قبل أن يطلعه الله على غيب ، بل لا يصح { لاسْتكثَرتُ مِنَ الخَيْر } كالمال فآخذ منه الكفاف لنفسى ، وأبثه في المسلمين حتى أغنيهم عن غيرهم ، وكالصحة فأجتنب أنا والمسلمون ما يزايلها ، وكالثناء الحسن فأتوصل إلى أسبابه أنا والمسلمون تقوية للدين ، فأجتنب كل ما يكون لعدوى مدخلا إلى تنقيصى ، وكالرأى الحسن فلا أخطأ في تدبير ، وكالنصر والسلامة فأكون أبدا غالبا لأعدائى إذا أمرت بحربهم وغير ذلك ، وكاغتنام المصالح الأخروية ، فأعلم ما يضعفنى عنها أو يفوتها أو يفوت أعلاها فأجتنبه مثل أن يعلم أنه إننام بعد العشاء فلا ينتبه غلا للفجر فيترك النوم ونحو ذلك .

{ ومَا مسَّنِىَ السُّوءُ } عطف على جواب لو فهو مستقبل مثبت لنفى نفيه بلو ، أى ولما مسنى السوء وهو فوات نفع دنيوى أحتاج إليه ، أو أخروى ولحوق ضر دنيوى أو أخروى { إنْ أنا إلا نَذِيرٌ وبَشِيرٌ } تنازعا في قوله: { لقومٍ يُؤمنُونَ } ولغيرهم ، ولكن اقتصر عليهم لأنهم المنتفعون بالنذارة والبشارة ، وصح تسليط النذارة على المؤمنين ، لأنهم يوعظون بها ، يقول لهم: إن فعلتم كذا عاقبكم الله بالنار ، أو بكذا وكذا ، وتسليط البشارة على غيرهم لأنهم يوعظون بها ترغيبا إن فعلتم كذا فلكم الجنة ، وكذا وكذا ، أو يقدر لنذير محذوف أى إلا نذير للكافرين ، ويراد بقوم مؤمنون قوم يطلب منهم الإيمان ، ويشمل من آمن ومن كفر ، فتصرف النذارة لمن كفر ، والبشارة لمن آمن ، وكأنه قال: لا أتجاوز النذارة والبشارة إلى ملك النفع والضر وعلم الغيب ، بل أنا في ذلك مثلكم .

ويجوز أن يكون قوله: { وما مسنى السوء } مستأنفا فيراد بالسوء الجنون بلغة هذيل كما فسر به قوله تعالى: { إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء } كأنه قال: ولست بمجنون ، بل نذير بشير ، وما فسرت به الآية من العموم هو ما ظهر لى ، واستحسنه ولا يشكل عليه شئ منها .

وروى عن ابن عباس: أن أهل مكة قالوا: يا محمد ألا يخبرك ربك بالسعر الرخيص فتشتريه قبل أن يغلوا فتربح فيه ، وبالسنة المجدية فتعد لها من المخصبة ، وبالأرض التى تجدب فترحل إلى أرض تخصب ، فنزلت الآية ، وليس المراد في الآية فقط ، فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب على الصحيح ، ويحتمل أن يكون معنى { لاستكثرت من الخير } الأخروى متوصلا إليه بعلم الغيب لو علمته ، لا من الدنيوى كما تقولون أنتم ، وقال ابن جريج ومجاهد: المراد بالنفع الهدى ، وبالضر الضلالة ، وبالغيب وقت الموت وبالخير العمل الصالح ، فإنه كما يجتهد في الصالحات لخفاء وقت الموت مخافة هجومه يجتهد لعلم وقته ، لأنه يظهر ظهورا واضحًا حينئذ أن كل وقت مضى فقد انتقص من الأجل ، وهذا موجود في خفائه ، لكن ظهوره دون ذلك ، وقيل: لو كنت أعلم الغيب لأعلمتكم بوقت قيام الساعة حتى تؤمنوا فيكثر خيرى دنيا وأخرى بذلك ، وما مسنى السوء وهو قولكم لو كنت نبيا لعلمت متى تقوم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت