{ مثَلُ الجنَّة } أى صفتها العجيبة البالغة مبلغا يضرب بها المثل في الغرابة ، وهو مبتدأ خبره محذوف عند سيبويه ، أى مما قصصنا عليك ، أو فيما ققصنا عليك ، أو خبر لمحذوف ، أى هذا مثل الجنة أشير إليه قبل ذكره تعظيما له ، وتنبيها وإيقاظا لمن يصغى إليه ، وقيل: مبتدأ خبره تجرى الخ ولم يحتج لأنه نفس المبتدأ ، فإن جريان الأنهار من تحتها ، وما ذكر بعدهما نفس المثل ، وتقدير موصوف أى جنة تجرى تمثيلا لما غاب بما نشاهد ، لكن بزيادة قيد دوام الأكل والظل لو دام في ما نشاهده ، وعلى زيادة مثل وهذا في مذهب مجيز زيادة الأسماء ، ونسبه في الآية بعضهم لسيبويه ، والمشهور أنه مذهب الكوفيين ، والمانع يئول ما تعين للزيادة بأنه نار فلا يحمل الآية عليه وعلى الزيادة ، فكأنه قيل الجنة .
{ الَّتى وُعدَ المتقُون } على اتقاهم { تَجْرى مِنْ تَحْتها الأنهارُ } وإذ لم تجعل جملة ، وتجرى خبرا ، ولا نعت الخبر كانت مستأنفة أو حالا من رابط الصلة المحذوف ، أى التى وعدها المتقون جارية أنهارها من تحتها ، على أن الوعد في كتب الله ، وأن الجنة مخلوقة اليوم .
وإن قلنا: المراد بالوعد الوعد الأزلى ، أو أنها ستخلف ، فالحال مقدرة ، والمتقون نائب الفاعل ، وها مفعول ثان يقدر مقدما على النائب ، وقرأ على أمثال الجنة بالجمع أى صفتها .
وروى عن رسول الله A: « أن أنهار الجنة من ماء وعسل ولبن وخمر ، تجرى في غير شق في الأرض ، ولا بناء ، ويصعد الماء في جريانه عن الأرض اثنى عشر ذراعا »
{ أكُلها } أى المأكول فيها وهو الفواكه والثمار ، أو جميع ما يؤكل فيها { دائمٌ } لا ينقطع ولا يفنى ، ولا يختص بحين دون حين .
روى أن ولى الله إذا تناول ثمرة لم تصل فاه إلا وقد بدر الله سبحانه مكانها أخرى ، والجذع من ذهب ، وستعفها حلل ، وكربها زبرجد أخضر ، وشماريخها در أبيض ، وطول العرجون اثنا عشر ذراعا ، مركب من أعلاه إلى أسفله ، ليس لثمره نوى ، أحلى من العسل ، وأبيض من الثلج وألين من الزبد ، والرمانة كالبعير بقتبه .
{ وظلُّها } مبتدأ محذوف الخبر ، أى دائم ، أو كذلك لا تنسخه شمس كما تنسخ الظل في الدنيا ، إذ لا شمس في الجنة .
وإن قلت: إذا جعلنا ذلك ذكرا للجنة بصفتها لا إشكال ، وإذا جعلناه تمثيلا بجنة الدنيا أشكل الفهم عنا ، إذ لا جنة في الدنيا دائمة الأكل والظل؟
قلت: ساغ ذلك على شريطة الدوام ، كأنه قيل: الجنة الموعودة للمتقين كجنة في الدنيا جارية الأنهار ، دائمة الأكل والظل ، لو دام أكلها وظلها كما مرت الإشارة إليه ، أو قوله: { أكلها دائم وظلها } ليس داخل في التمثيل بجنة الدنيا ، بل يعود إلى جنة الآخرة ، والتحقيق عندى إنما المراد دوام أكل الجنة وظلها بعد دخولهم فيها ، سواء قلنا: إنها مخلوقة اليوم وهو الصحيح لما مر في مواضعه ، أو قلنا: إنها ستخلق ، وساء قلنا: بفنائها عند قيام الساعة لظاهر قوله: