{ قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِك في السّماء فلنولِّينّك قِبلةً ترضاها فولِّ وجْهك شَطْر المسْجِدَ الحرام . . . إلخ } وقيل كان يقول ذلك لجبريل ، وإذا قام إلى الصلاة رفع طرفه نحو السماء ينظر الأمر من عند الله ، فنزلت الأية ، وهذه الآية متأخرة في التلاوة متقدمة في النزول ، لأنها أول ما نسخ الاستقبال إلى بيت المقدس ، وقيل كان A يحب التوجه إلى الكعبة لأنها قبلة أبيه إبراهيم ، وأقدم من بيت المقدس ، وأدعى للعرب إلى الإيمان ، إذ لا قبلة أحب إليهم منها ، ولا يستقبلون سواها إلا من تنصر منهم ، وليخالف اليهود الأراجس القائلين: ما بال محمد يخالف ديننا ويستقبل قبلتنا؟ ووقع في قلبه أن سيحوله الله الرءوف الرحيم إلى الكعبة لتلك العلل ، وكان يردد وجهه في جهة السماء طمعًا في الوحى بذلك واشتياقًا ، فنزل قوله عز وعلا: { قد نَرَى تَقلُّب وجْهكَ في السَّماء . . الآية } وذلك منه أدب كامل حيث اقتصر على الانتظار ، ولم يسأل ، وقيل سبب نزول الآية أن النبى A وأصحابه كانوا يصلون بمكة إلى الكعبة ، فلما هاجر إلى المدينة أحب أن يستقبل بيت المقدس يتألف بذلك اليهود ، وقيل إن الله تعالى أمره بذلك ليكون أقرب إلى تصديق اليهود إياه إذا صلى إلى قبلتهم ، مع ما يجدون من وصفه في التوراة ، فصلى إلى بيت المقدس بعد الهجرة ستة عشر شهرًا ، وقيل سبعة عشر شهرًا ، وكان يحب أن يتوجه إلى الكعبة لأنها قبلة أبيه إبراهيم عليهما الصلاة والسلام . قاله ابن عباس . وقال الربيع والسدى: أحب التوجه إليها ليؤلف العرب لمحبتهم للكعبة ، والأولى جمع ذلك كله كما مر ، ومعنى تقلب الوجه في السماء: تقلب بصره في جهة السماء أو إلى جهة السماء ، والوجه يتقلب إلى الشئ يتقلب البصر إليه ، والتقلب التصرف والتردد ، ووجهة تقلب وجهه في السماء أن السماء قد تعود الناس منها الرحمة كالمطر والنور والوحى ، فهم يجعلون رغبتهم ونظرهم حيث تأتى النعم . وعن قتادة وغيره: كان رسول الله ، A ، يقلب وجهه في الدعاء إلى السماء أن يحوله إلى قبلة مكة ، وقد للتحقيق ، ويجوز أن تكون للتكثير ، ومعناه تكثير الرؤية لتكثير التقلب ، والمراد تكثير التقلب إلى السماء ، ولكن عبر بتكثير الرؤية لأنها لازم التقلب ، وقد حمل سيبويه على التكثير قول الهذلى:
قد أتركُ القرنَ مُصْفَرا أناملهُ
وحمل عليهِ جماعة قول الشاعر:
قد أشهد الغارة الشعواء تحملنى ... جرداء معروقة اللحيين سرحوب
ومعنى: ( نرى ) نعلم ومعنى { لنوَلِّينك قِبلةً ترضاها } ، لنجعلنك تلى قبلة مرضية لك ، وهى الكعبة ، والقسم مفرع بالفاء السببية على { قد نرى تقلب وجهك في السماء } ، مع المحذوف المقدر ، أى قد نرى تقلب وجهك في السماء لأجل طلب قبلة غير التى أنت عليها الآن ، أو قد نرى تقلب وجهك في السماء طالبًا غير القبلة التى أنت عليها ، أو قد نرى تقلب وجهك في السماء وطلبك القبلة الأخرى ، فوالله لنولينك قبلة ترضاها .