{ قَالَ قائلٌ منْهُم } هو يهودا ، وكان أحسنهم فيه رأيا ، وأفضلهم وأعقلهم ، وهو القائل: { فلن أبرح الأرض } وذلك أنه متصل به سنا ، فكانت منه له شفقة وهو الصحيح ، وقال قتادة ، وابن إسحاق: هو روبيل وكان أكبرهم سنا ، وهو ابن خالة يوسف ، قال الشيخ هود: هو القائل: { فلن أبرح الأرض } وقال مجاهد: القائل: لا تقتلوا هو شمعون ، وكان أعظمهم شأنا .
{ لا تقْتلُوا يُوسفَ } فإن القتل عظيم { وألقوه } الفعل فعل أمر { في غَيابَاتِ الجُبِّ } أى المواضع التى يغيب فيها عن أعين الناظرين في الجب ، وذلك أن الجب كان واسع الأسفل ، فإذا ألقوه فيه سكن أى موضع شاء منه ، فإنما سمى قعر الجب غيابة ، لأنه يغيب ما فيه ، وقرأ غير نافع: في غيابة بالإفراد ، وقرأ في غير العشرة في غيابات بالتشديد والجمع ، وقرأ الجحدرى: غيبة بالإفراد والتشديد وإسقاط الألف .
والجب البئر التى لم تطو ، سميت لأنها قطعت من الأرض مجرد قطع فقط ، دون طى ، قال قتادة: هو بئر في بلاد بيت المقدس ، وقيل: بين مصر ومدين ، وقال وهب: في أرض الأردن ، وكذا قال مقاتل ، وزاد إنها على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب عليه السلام ، قيل: هو في وادٍ من أوديتها على قارعة الطريق ، ولا يرى إلا موشحا مظلما يهلك من طرح فيه لسعة أٍفله ، إذ لا يمكنه الصعود ، وكان صالحا ، وقيل: ألا يكون فيه ماء ، وكانت فيه حيات يهلكن من دخله ، وهو من حفر سام ابن نوح: يسمى جبّ الأحزان ، وكان معروفا يرد عليه كثير من المسافرين ، وقيل: حفرة شداد بن عاد .
{ يلْتقِطُه بَعضُ السَّيارةِ } جمع سيار ، وهو من يكثر السير بالطريق كذا قيل ، قلت: بل هو اسم جمع ، وذلك الالتقاط هو علة الأمر بالطرح في غيابات الجب ، ولذلك جزم في جوابه ، فإذا التقطه بعض السيارة ذهب به إلى ناحية فتسلموا من قتله ، وتستريحوا منه ، وقرأ الحسن البصرى: تلتقطه بالتاء بالمثناة أوله ، قال ابن هشام: أنث المضاف لتأنيث المضاف إليه ، وساغ ذلك لصلة الاستغناء بالمضاف إليه كما قال ، ونظر للمعنى فإن بعض السيارة سيارة والالتقاط الأخذ .
{ إنْ كُنتُم فاعِلينَ } التفريق بينه وبين أبيه ، أو إن كنتم فاعلين به ضرا ، أو إن كنتم عاملين بمشورتى ، وجواب إن محذوف دل عليه ألقوه ، أو لا تقتلوا وألقوه ، أى إن كنتم فاعلين للتفريق أو للضر ، أو بمشورتى فألقوه في غيابات الجب ، أو فلا تقتلوه وألقوه الخ ، ويحتمل أن يكون قائل ذلك مشفقا عليه ، راحما له ، أى لا تفعلوا شيئا من تفريق وإضرار ، وإن كنتم فاعلين ولا بد فأقوه في غيابت الجب .
وروى أن جماعة من الأعراب ألتقطوه وستأتى قصة التقاطه ، فلما أجمعوا على التفريق بين يوسف وأبيه ، توصل إليه بضرب من الجيل ، بأن يدخلوا على يعقوب ويكلموه في إرسال يوسف معهم إلى البرية ، قال روبيل: إن أباكم لا يأمنكم على يوسف ، ولكن انطلقوا بنا إلى يوسف حتى نلعب بين ديه ، واذا رآنا كيف نلعب ونمرح فاشتاق إلى ذلك رضى بالخروج معنا ، فيطلب من أبينا ذلك .