{ ومنهمْ مَن يقُولُ ائْذنْ لى } فى القعود عن الغزوة هذه الياء هى فاء الكلمة ، وهى الهمزة في أذن أبدلت ياء لسكونها بعد كسرة همزة الوصل ، وإذا وصل الكلام بالياء ولم يوقف عليه سكنت حيا ولو لم نضبط بالإسكان في مصاحف المغاربة ، فإنهم تركوها على حالها بحين الابتداء لهمزة الوصل ، وفى مصاحف المشارقة همزة ساكنة بعد همزة الوصل بزوال القلب بزوال كسرة همزة الوصل بالوصل .
{ ولا تَفْتنِّى } بعدم الإذن ، فإنى تخلفت عنك بغير إذنك ، وقعت في الفتنة وهى الإثم بمخالفتك ، وهذا منه ، لعنه الله ، إشعار بأنه متخلف ولو لم يأذن له ، كأنه قال: لا تصعب على حتى أحتاج إلى مواقعة معصيتك ، وهذا تأويل حسن واقف مع اللفظ .
وقيل: لا تفتنى بنساء الروم ، وبه تظاهرت الروايات ، عن الجد ابن قيس ، لعنه الله ، أنه قائل ذلك ، وشذ من قال إنه عبد الله بن أبىّ ، « وذلك أن رسول الله A حرض الناس على غزو الروم ، وقال للجد بن قيس: » هل لك العام في جلاد بنى الأصفر؟ « فقال له وللناس: » اغزوا تغنموا الأصفر « فقال له الجد بن قيس: إيذن لى في التخلف ولا تفتنى بذكر بنات الأصفر ، فقد علم قومى أنى لا أتمالك عن النساء إذا رأيتهن » وقيل: « قال له: » هل لك في جلاد بنى الأصفر - يعنى الروم تتخذ منهم سرارى ووصائف؟ « فقال: لقد عرف قومى ، وروى قد عرفت الأنصار أنى مولع بالنساء ، ولا أصبر عن بنات الأصفر إن رأيتهن ، فلا تفتنى بهن » .
قال ابن عباس: قال: لكنى أعينك بمالى فاتركنى ، قال العباس: لم تكن له علة إلا النفاق ، وأعرض عنه رسول الله A وقال: قد أذنت لك ، وقيل: الفتنة ضياع ماله وعياله ، يزعم أنه كافل لهم بعده إن خرج ، والأصفر هو الروم بن عيص بن إسحاق ، كان أصفر اللون ، وذكر النقاش ، والمهدوى: أن الأصفر حبشى ووقع ببلاد الروم ، فتزوج وأنسل بنات لهن جمال ، وهذا ضعيف ، وقرأ عيسى بن عمرو بضم التاء الأولى وهى لغة تميم يقولون أفتنه بفتنة .
{ ألاَ في الفِتْنةِ سَقَطُوا } أى انتبهوا أيها الناس ، وحققوا أنهم وقعوا وقوعا متمكنا في الفتنة الكاملة بتخلفهم ، وظهور إنفاقهم ، وفساد ما بينكم وبينهم ، وفى مصحف أبى سقط بفتح الطاء وإسقاط الواو إرجاعا للضمير إلى القائل ، وقال جار الله: مراعاة للفظ من ، وأن المعنى على الجماعة وإنما يصح هذا لو كان القائل متعددا بخلاف قراءة الواو فإنها إخبار عن المتخلفين بلا عذر جميعا ، اللهم إلا إن قال قائل: إن ذلك كالجماعة إذ كان رئيسا يتبعه قومه في التخلف .
{ وإنَّ جَهنَّم لمحيطَةٌ } يوم القيامة أو من الآن فإنهم في أسبابها ، فكأنهم فيها { بالكَافِرِينَ } المنافقين والمشركين لا يشذ عنها واحد .