{ خَتَمَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ } : هذه الجملة الفعلية ومتعلقاها اللذان هما على قلوبهم وعلى سمعهم ، والجملة الاسمية بعد ذلك تعليل لاستواء الإنذار وعدمه عندهم ولعدم إيمانهم ، فذلك من التعليل الجملى المتأنف كقولك لجائع: كل إنك جائع ، ويجوز كون ذلك مستأنفًا لبيان ما يتولد عى استواء الإنذار وعدمه ، وعلى عدم الإيمان من ختم الله D على قلوبهم وسمعهم . والختم على الشئ الإغلاق عليه وكتمه ويسمى الاستيثاق إذا كان باضرب الخاتم على الشئ ختما ، لأنه كتم له . ويسمى أيضًا بلوغ آخر الشئ ختما لأنه آخر ما يفعل في إحراز ذلك الشئ وإن قلت: إذا كان الله هو الذى ختم على قلوبهم ، فكيف يعذبهم على كفرهم؟ . قلت: التحقيق أنه ليس ذلك الختم على طريق الجبر على الكفر بل أتوا الكفر باختيارهم ، فعذبهم على كفرهم باختيارهم وإعراضهم عن الآيات ، ولكن لما كان كفرهم مخلوقًا لله - جل وعلا - سما ما يتولد منه من زيادة كفر ختما منه تعالى ، وغن شئت فقل: لما كان ما يتولد على غيهم وتقليدهم وإعراضهم عن الآيات من زيادة كفر واستحبابه ، واستقباح الإيمان ومتعلقاته ، ومن ملازمة ذلك والجرأة عليه مخلوقًا لله تعالى ، سماه ختما من الله - D - وإن شئت فقل: لما كان حدوث ذلك خلقًا من الله سبماه ختما منه تعالى وفى التعبير بختم استعارة تصريحية تحقيقية تبيعة شبه خلق عدم نفود الحق في القلوب وتحقق كلال الأسماع وامتناعها عن سماعه سماعا موصلا إلى القلوب ، بالإغلاق على الشئ ، والمنع من الوصول إليه ، بجامع انتفاء التوصل من خارج إلى داخل ، وعدم الانتفاع بداخل . فكما لا ينتفع بسمن مختوم عليه في خابية ما دام مختومًا عليه ، كذلك لا ينتفع بقلب في داخل الجسد فاسد ، ولا يسمع داخل الأذن لا يوصل مسموعه إل القلب أيضًا لا نافعًا ، فكان خلق عدم النفوذ وتحقق الكلال من جنس الإغلاق على شئ ، فسمى باسم الإغلاق على شئ واسمه الختم ، فاشتق من الختم بمعنى الخلق لعدم النفوذ وتحقق الكلال ختم بمعنى خلق عدم النفوذ وتحقق الكلال . فاستعاره في ختم تابعة لها في الختم وليس امشبه مخيلًا فكانت تحقيقية ، وقد صرح بلفظ المشبه وهو ختم فكانت تصريحية ، وإن شئت قل في قوله: { خَتَمَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ } استعارة تمثيلية ، بأن تقول شبه القلوب وعدم نفوذ الحق فيها وخلق ذلك العدم والإسماع وكلالهما ، وخلق ذلك الكلال بإناء وشئ فيه والإغلاق على ذلك الشئ بجامع مطلق وجود وعاء وشىء فيه ، وعدم الوصول للشىء الذى فيه . بل حفظت عن بعض كتب عصام الدين في الاستعارات وغيره: أنه لا يعدل عن الاستعارة التمثيلية إلى المفردة ما وجدت التمثيلية ، وهى المركبة .