وقد علم أن الإيجاب الجزئى يناقض السلب الكلى ، فيكونون قد كلفوا بهذا التصديق الذى متعلقه عدم التصديق الكلى ، مع كون ما كلفوا به من هذا التصديق الجزئى منتفيًا ، لكونه فردًا من أفراد التصديق المنفى ، الواقع موضوعًا للسالبة المتقدمة ، فقد لزم من تكليفهم بهذا التصديق اجتماع النقيضين ، وهو اللازم على التكليف بالمحال لذاته ، فيكون التكليف به من التكليف بالمحال لذاته ، ويجاب بأن من أنزل فيه أنه لا يؤمن لم يقصد إبلاغه ذلك أنه لا يؤمن فلا يكون مكلفًا بتصديقه فيه فلا يلزم التناقض ، وإنما قصد إبلاغ أنه لا يؤمن لغيره من أنزل فيه أنه لا يؤمن وإعلام النبى - A - أنه لييئس من إيمانه كما قيل لنوح عليه السلام: { إنه لن يؤمن من قومه إلا من قد آمن } فتكليفه بإيمان من التكليف بالممتنع لغيره ، وهو الذى امتنع لتعلق العلم بعدم وقوعه . وقال الجمهور لا يقع التكليف بالممتنع لغيره ولا لذاته إلا في الممتنع لتعلق العلم بعدم وقوعه لقوله تعالى: { لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها } والممتنع لتعلق العلم في وسع المكلفين ظاهرا . واختاره ابن السبكى في شرح المختصر ، وصرح في شرح المنهاج بأن مختار ابن السبكى مختص بالممتنع ، لتعلق العلم بعدم وقوعه ، وبأن المحال عادة كالمحال لذاته في أنه جائز غير واقع . وصرح الغزالى بأن إيمان نحو أبى جهل لا يتصف بالاستحالة ، بل ممكن مقطوع بعدم وقوعه ، ولا يخرجه العلم بعد وقوعه عن كونه ممكنًا في حد ذاته ، وهو ظاهر . والله أعلم .