{ فَبِمَا نَقضِهم مِثَاقَهُم لَعَنَاهُم } : عطف لعناهم على أخذ الله بالفاء والباء متعلق بلعناهم ، ويقدر مثله لجعلنا ، وما مؤكدة مخفمة بين الجار والمجرور ، وميثاق مفعول لنقض ، وقدم بما نقضهم للحصر ولطريق العرب في الاهتمام ، ولم أقل بتنازع جعلنا ولعنا في بما نقضهم ، لأن الصحيح أنه لا تنازع في مقدم ، ولا سيما أن معمول المعطوف لا يتقدم على العاطف ، واللعن الطرد عن الرحمة ، أى بعدناهم عن جنتنا ورضانا .
وقيل: مسخناهم فان المسخ طرد عن رحمة الدنيا والآخرة ، وقيل: ضربنا عليهم الجزية بذلك ، وذلك كله نقضهم الميثاق اذ عصو موسى وكذبوا الرسل بعد موسى ، وقتلوهم ونبذوا كتاب الله ، وضيعوا الفرائض ، فالطرد عن رحمة الله ورضاه مطلق ، والمسخ في زمان داود بالاعتداء في السبت ، فمسخوا قردة ، وفى زمان عيسى مسخوا خنازير لشأن المائدة ، والجزية في زمان سيدنا رسول الله A ، وكل رضى بما فعل من قبله ، وذلك قول قتادة بسطته ، وقيل: كتموا صفة رسول الله A فذلك نقضهم أو مجموع ذلك .
{ وَجَعَلنَا قُلُوبَهُم قَاسِيَةً } : صلبة غليظة لا تلين بالوعظ ، وليس ذلك جبرًا والا لم يذمهم ، بل ترك توفيقهم باختيارهم ، فقست فذلك جعله قلوبهم قاسيةن ويجوز أن يكون معنى ذلك الجعل امهالهم عن العقاب فقسوا ، وقرأ عبد الله بن مسعود وحمزة والكسائى: قسية بتشديد الياء واسقاط الألف قيل السين بوزن فعيل للمبالغة ، كقادر وقدير أو وصف بمعنى ردية من قولهم درهم قسى أى فيه صلابة النحاس اذا كان مغشوشا ، لأن في الذهب والفضة الخالصين لينًا .
وقرىء قسية بكسر القاف اتباعًا لكسر السين بعدها ، والثلاثة من معنى الصلابة ، ومثلها قسح يقسح فهو قاسح بالحاء ، وذلك أولى مما ذكر الأصمعى والفارسى ، أن قسية باسقاط الألف فارسى معرب بمعنى الدرهم الردىء وأفرد قاسية لأن القلوب جملة .
{ يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ } : ليس هذا معنى نفس القسوة ، لكنه ثمرة القسوة ، كأنه لما قست قلوبهم تولد من قسوتها تحريف كلام الله ، فالجملة مستأنفة أو حال من هاء لعنهم ، لبيان ما أدت اليه قسوة قلوبهم ، وأنه لا أقبح من قسوة أدت الى تحريف كلام الله والكذب عليه ، وذلك أنهم حرفوا نعت محمد رسول الله A وغيره مما أرادوا تغييره من التوراة كآية الرجم ، وذلك أنهم بدلوا اللفظ بلفظ آخر يخالف معناه في بعض ، وحرفوه التفسير في بعض ، وخطوا بالقلم في بعض .
{ وَنَسُوا حَظًّا } نصيبًا عظيمًا ، فالتنكير للتعظيم .
{ مِّمَّا ذُكِرُوا بِهِ } : من التوراة وهو ما تركوا العمل به من التوراة ولم يحرفوه ، وما تركوا العمل به وحرفوه أيضًا ، وذلك أنه لو عملوا به لكان لهم حظ عظيم من الثواب ، ومن ذلك تركهم الايمان برسول الله A والقرآن .