{ وَأَلْقِ مَا فِى يَمِينِكَ } أى العصى وإنما أبهمها تحقيرا لكيدهم بتخريجها مخرج التحقير ، أى لا تُبالِ بما رأيت من سحرهم؛ فإنه مع كثرته إنما تمحقه عصًا صغيرة ، ولا تُبقى منه أثرا ولا عينا ، أو أبهمها تعظيما لها أى لا تُنال بسحرهم: فإن في يدك شيئًا عظيمًا يدمغه .
{ تَلْقَفْ } تبلغ بقدرة الله عز وعلا . وأصله تتلقف حذفت تاء الماضى أو تاء المضارع . وتاء المضارع إما للتأنيث مراعاة لمعنى { ما } لوقوعها على العصَى والعصَى مؤنث ، أى تلقف عصاك ، فضمير تلقف عائد لما وما بمعنى العصى ، وإما خطاب لموسى تجوز في الإسناد إذ أسند التلقف إليه مع أنه للعصى ، لأنه له فيه تسبب وهو الإلقاء أو للمجاورة .
وقرأ ابن عامر بالرفع على الحال المقدرة ، أى ألقها وهى في قوة التلقف ، أو على الاستئناف .
وقرأ حفص بالجزم وإسكان اللام فلا تشدد القاف من لقفته بعدم التشديد بمعنى تلقفته { مَا صَنَعُوا } من السحر .
روى أن فرعون جلس في عِلية له طولها ثمانون ذراعا والناس تحته في بسيط فجاء سبعون ألف ساحر ، فألقوا وِقر ثلاث مائة مهر فألقى موسى عليه السلام عصاه فاستحالت ثعبانا وجعل ينمو حتى عبر في المهر . وقيل: البحر بذنَبها .
وروى أن ذلك في الإسكندرية . وكان ذنَب الثعبان من وراء بحر الروم عرضا ، وسدت الأفق .
وروى أنها كالجبل .
وروى أنه طال حتى جاز مدينة البحيرة وأن ذلك في الإسكندرية .
وقيل: إنه بمصر وأنه طال حتى جاز بذنَبه بحر القلزم قيل: هذا قول بعيد من الصواب ، مفرط الإغراق ، أى المبالغة . وفرعون في كل هذا يضحك ، ويرى أنه غالب . ثم أقبات على الحبال والعصى تأكلها فأفتنها ثم فغرت فاها نحو فرعون ففزع ، فاستغاث بموسى ، فمد يده إليها فكانت عصا .
{ إِنَّما صَنَعُوا } ما موصول اسمى اسم لإن أو حرفىواسم إن مصدر صنع .
{ كَيْدُ سَاحِرٍ } خبر إن .
وقرئ بنصب كيد مفعولا لصنعوا وما كلفه .
وإذا جعل ما اسما لأن فالكيد أصله مصدر بمعنى ما وقع به الكيد ، وإلا فهو باق على معنى المصدر . وإذا كانت كافة جاز المعنيان .
وقرأ حمزة والكسائى كيد سحر على حذف مضاف ، أى كيد ذى سحر ، أو ذوى سحر ، أو على تسميته الياحر سحرا مبالغة ، أو على إضافة البيان ، كقولهم: علم فقه وعلم نحو وعلم بيان .
وذلك أن الكيد يكون سحرا وغير سحر ، فبيَّن أنه كيد سحر كما أن العلم يكون علم فقه وغيره فبيَّن أنه علم فقه .
وإنما قدرت المضاف مفردا مطابقة لساحر في القراءة الأولى ، وقدرته جمعا باعتبار الواقع ، فإنهم جماعة ، لكن الغرض الحقيقة لا الإفراد ، كما أنه وحد الساحر في القراءة الأولى؛ لأن المراد مطلق الجنس لا معنى العدد ولذلك قال: { وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ } أى هذا الجنس .