{ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ } : من التواراة والإنجيل وغيرهما . وهم أهل الكتاب الذين أسلموا كعبد الله بن سلام وكعب الأحبار . وهذا في مؤمنى أهل الكتاب . وقوله للمتقين في مؤمنى العرب ، أو في مؤمنيهم ومؤمنى غير أهل الكتاب . وإن قلت فلم خص أهل الكتاب بذكر إيمانهم بما أنزل إلى سيدنا محمد - A - وما أنزل من قبله؟ . . قلت: لتقدم عهدهم بالإيمان بما أنزل من قبله متضمنًا الإيمان بما أنزل إليه ، ولانتساب التوراة والإنجيل إليهم بخلاف غيرهم ، فمن آمن بالقرآن فإن كتابهم القرآن فلم يذكر في شأنهم غيره ، مع أن بإيمانهم به إيمان بعيره متضمن له ، ولأنه قد وصفهم بالاتقاء . ومن لم يؤمن بكتاب من كتب الله أو بحرف فليس بمتق . ويجوز أن يكون المراد بقوله للمتقين: مؤمنو العرب ، ومؤمنو أهل الكتاب ، ومؤمنو غيرهم .
والمراد بقوله: { والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُوْنزِلَ إليكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ } مؤمنو أهل الكتاب ، خصصهم بالذكر بعد دخولهم في عموم المتقيم لمزيتهم المشار إليها بنحو قوله تبارك وتعالى: { أولئك يؤتون أجرهم مرتين } فالعطف في هذا الوجه عطف خاص على عام . كعطف الصلاة الوسطى على الصلوات وجبريل على الملائكة ، والنحل والرمان على الفاكهة ، ويجوز أن يكون المراد بالمتقين: كل متق من العرب ، أو من أهل الكتاب ، أو من غيرهم . والمراد بالذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك: كل متق كذلك قالوا وعلى هذا الوجه عاطفة للصفة وهى لفظ الذين الثانية على السفة الأخرى وهى لفظ الذين الأولى مثل قولك: جاء زيد العالم الكريم ، تريد جاء زيد العالم والكريم . وإن العلم والكرم كليهما صفتان لزيد ، فذلك الإيمان بالغيب وإقامة الصلاة والإنفاق مما رزقهم الله ، والإيمان بما أنزل إلى سيدنا محمد - A - وما أنزل من قبله . كل ذلك صفات للمتقين . ومن عطف الصفات لموصوف واحد كذلك قوله:
إلى الملك القرم ابن الهمام ... وليث الكتبية في المزدحم
فإن المراد بابن الهمام وليث الكتيبة هو المراد بالملك القرم ، فقد وصف إنسانًا واحدًا بأنه قرم أى كفحل مكرم لا يحمل عليه وبأنه ابن الهمام أى ابن الملك ، سمى الملك همامًا لأنه يهتم بالمعالى ، أو يفعل ما اهتم به ، وبأنه أسد الجيش في موضع الازدحام للقتال . وقوله سلمة بن زيابة:
يا لهف زيابة للحارث ... الصابح فاغائم فالآيب
أى للحارث الذى يغير صبحًا فيغنم فيرجع ، وزيابة اسم أبيه وقيل اسم أمه ، واسم أبيه ذهل حسر أباه وأمه من الحارث ابن همام الشيبانى مخافة أن يغير عليه فيغنم فيرجع وقد قتله أو أسره أو تهكم به أن يطبق الإغارة عليه وغنمه وقتله وأسره . ويجوز أن يراد بالمتقين: مؤمنو العرب ، وكذا بقوله: { الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِليْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ } فيكون مدحًا لهم ، وذما لمن لم يؤمن بالقرآن ولا بغيره ، ولأهل الكتاب الذين آمنوا بغير القرآن ، وقالوا وأيضًا على الوجه عاطفة لصفة على أخرى لموصوف واحد .