{ وإذ يُرِيكُمُوهُم } الرؤية بصرية في غير المنام باتفاق هنا ، متعدية لاثنين بالهمزة ، الأول الكاف والميم علامة ، والواو تقوية ، والثانى الهاء { إذ التَقيْتُم في أعْينكُم } متعلقان بيرى { قَليلًا } حال من الهاء والتاء في التقيتم للمؤمنين والمشركين ، تغليبا للمخاطبين وهم المؤمنون ، أو خطابا للكل تنزيلا للمشركين منزلة من حضر مع المؤمنين في وقت نزول هذه الآية ، أو التاء للمؤمنين فقط ، فالتقدير إذا التقيتم مع المشركين أراهم الله المشركين قليلا ، حين تصافوا للقتال زيادة للتثبيت ، وما الخبر كالعيان ، وتصديقا للرؤيا بأن ستر الله عنهم أكثر المشركين بسائر ، أو يحدث في أعينهم ما يستقلون به الكثير كما يحدث في أعين الحوَل ما ترون به الواحد اثنين .
قيل لبعض الحوَل: إن الأحول يرى الواحد اثنين ، وكان بين يديه ديك واحد ويراه اثنين ، فقال: مالى لا أرى هذين الديكين أربعا ، وتقليل الكثير ، وتكثير القليل ممكنان في قدرة الله بما شاء ، قال ابن مسعود: لقد قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى جنبى: أتراهم سبعين ، قال أراهم مائة ، فأسرنا رجلا منهم فقلنا: كم كنتم؟ فقال ألفا ذكره جار الله ، ولا يرد على ذلك قوله A: « إن القوم ما بين التسعمائة إلى الألف » لأن ابن مسعود رضى الله عنه ومن جرى مجراه لم يعلموا بمقالة رسول الله A ، أو علموا بها وصدقوا بها ، وتوهموا أن الأكثر لم يحضروا هناك ، بل تأخروا ، أو رأوا أن مقالته لم يقلها على طريق الجزم ، بل قالها مستندة إلى قول المشرك إنهم ينحرون يوما عشرا ويوما تسعا ، فتوهموا كذب المشرك ، أو تيقنوا أنهم كما قال ، وأنهم حاضرون كلهم ، وأنهم في ذلك العدد الذى رأوا سبعين أو مائة تسليما لقول النبى ، وأمر الله ، وأجيز أن تكون القلة في الآية بمعنى ضعف حالهم ، وعدم ثباتهم للمؤمنين وهو خلاف ما مر عن ابن مسعود .
{ ويُقلِّلكُم في أعيُنهِم } ليجترءوا عليكم ، ولا يبالوا بكم ، وتسكن قلوبهم إلى أنهم غالبوكم ، فلا يستعدون ، ذلك بعد أن رأوهم ، وقبل أن تتصافُّوا للقتال ، أو بعد التصاف ، وقبل الشروع في القتال ، أو المراد بالأعين أعين قلوبهم ، أعنى ما تعتقده قلوبهم ، فإذا تصاففتم أو شرعتم في القتال ، أو رأوكم فاجأتهم كثرة لم يسعدوا لها ، وشدة سكنوا إلى غيرها فبهتوا وقلت شوكتهم إذ رأوا ما لم يحتسبوا ، وسيأتى في السورة أنهم رأوهم مثلهم ، فبذلك تزيد الحجة عليهم قوة ، وتزيدون في الإيمان قوة .
قيل لأبى جهل: انصرفوا فقد نجت العير ، فقال: الآن إذ برز لكم محمد وأصحابه فلا ترجعوا حتى تستأصلوهم ، وإنما هم أكلة جزور أى ناقة ، والأكلة بفتح الهمزة والكاف جمع أكل كطلب وطلبة ، يعنى أنهم قليل قدر ما تشبعهم ناقة منحورة ، ثم قال: فلا تقتلوهم واربطوهم في الحبال .