فهرس الكتاب

الصفحة 2260 من 7680

{ ولَو شِئْنَا لرفَعْناهُ } شأنا ومنزلة بتقدير التمييز ، أو لرفعنا درجته أو شأنه بتقدير مضاف ، أو رفعناه عن الكفر ، وعلى كل حال فالرفع إلى منازل الأبرار من العلماء { بِها } بسبب الآيات وعلمه إياها ، وملازمتها بأن نثبته عليها ، والأصل ولو لزم العمل بها لرفعناه بها ، ولكنه عبر بما هو السبب في لزومه وهو المشيئة ، وجاء على طبق الأصل المذكور قوله: { ولكنَّه أخْلدَ إلى الأرْضِ } أى مال إلى الدنيا أو السفالة ورغب فيها ، وهذا ترك للزوم العمل بها ، كأنه قيل: ولكنه لم يعمل بها ، ولو أراد طبق ما عبر به لقاب: ولكنا لم نشأ ، ولو قال: ولكنه أعرض عنها لكان طبقا للأصل أيضا ، ولكنه طبق بما هو أشد مبالغة وتنبيها على حامله على ترك العمل بها ، وهو حب الدنيا الذى هو رأس كل خطيئة ، وفى الحديث: « ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه » اه .

واتباع الهوى كما قال: { واتَّبع هَواهُ } فى اختيار الدنيا وإرضاء قومه أو زوجته على ما مر في بلعام ، فليحذر المرء أن يميل عن مقتضى علمه ، وقيل الرفع الأخذ تقول: رفع الله ظالما أى أخذه وأذهبه ، فيكون الضمير عائدا إلى معصية أو إلى الآيات ، لأن بها كفره إذ لم يعمل بها ، فيكون قوله: { ولكنه أخلد إلى الأرض } عبارة عن إمهال الله D له ، وكذا في قول ابن أبى نجيح: إن معنى { لرفعناه بها } لتوفيناه قبل أن يقع في المعصية ، ودفعناه عنها بالآيات .

{ فمثَلهُ } أى صفته { كَمثَل } كصفة { الكَلْبِ } أو الصفة التى شبيهة بالمثل الذى هو كلام مشهور يشبه مضربه بمورده مصفة الكل الشبيهة بالمثل المذكور ، أو صفتاهما هما في أنفسهما مثلان متشابهان ، وعلى كل حال فوجه الشبه لخسة ، فهو كالكلب في أخس أحواله ، ضل قبل أن يؤتى الآيات ، وضل بعد ما أوتيها ، كما أن الكلب يلهث أبدا { إنْ تَحْمِل عَليْه } بالزجر والطرد { يَلْهَث } بفتح الثاء نقلا من الهمزة بعدها على طريق ورش وسكونها مقدرة { أو تَتْركُه } عطف على تحمل عن الزجر والطرد { يَلْهث } عطف على يلهث ، وذلك لضعف فؤاده وانقطاعه ، كما قال ابن عباس ، بخلاف سائر الحيوان فإنما يلهث إذا حمل عليه .

واللهث إدلاع اللسان من التنفس الشديد ، أو تنفس بسرعة ، وتحرك أعضاء الفم معه ، وامتداد اللسان ، وأكثر ما يعترى ذلك مع الحر والتعب وشدة العطش ، أو هو في حرصه على المال وأمر الدنيا ، مع أن الله قد أعطاه وأغناه عن التعرض لهما ، وفى ميلها إليها عن الآيات كالكلب في اتصال لهثه ، أو هو حريص عليهما وعظته أو لم تعظه ، كالكلب يلهث حملت عليه أو لم تحمل ، وذلك أقوال الجمهور ، والأول أكثر ، وليحذر عالم الدنيا الذى يدلع لسانه في تقرير العلم عطشا إليها وحرصا ، فالآية شاملة له بالمعنى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت