{ رَّبَّنَا إِنِّى } وسكن الباء غير نافع وابن كثير وأبى عمرو ، { أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِى } أى أسكنت شيئا ثابتًا من ذريتى وهو إِسماعيل أو ذرية ثابتة من ذريتى وهى إسماعيل ومن ولد منه فإِن إِسكان إِسماعيل متضمن لإسكان من ولد منه والمفعول محذوف كما رأيت ومن قال باسمية من التبعيضية وإِضافتها لما بعدها جهلها المفعول ، { بِوَادٍ } أى في واد ، { غَيْرِ ذِى زَرْعٍ } وهو وادى مكة فإن أرضها حجرية قليلة النبت ولا شئ فيها من الزرع يومئذ { عِندَ } متعلق بمحذوف نعت ثان لواد أو حال منه أو هو بدل من مجموع الجر والمجرور لا من المجرور وحده ، ولذلك لم يخفض مع أن عند لا يجر بغير من ، فلو جعل بدلا من المجرور وحده وهو واد وجر لزم أنه مجرور بالياء . { بَيْتِكَ الْمُحَرِّمِ } أى الذى منع عنده ما لم يمنع عند غيره ومنع المحرم إِليه نفسه من أشياء ومنع من أن يتعرض له أحد بسوء وأن يتهاون به وأن تستصغره الجبابرة ، أو منع من الطوفان فإِنهُ لم يستول عليه ولذلك سمى عتيقًا أى عتيقًا أى أعتق من الطوفان والجبابرة ، وكل من التحريم المقابل للتحليل ومن التحريم بمعنى إِثبات الحرمة بمعنى العظمة تصرف في الاستعمال عن الأَصل الواحد وهو المنع ، ألا ترى أنما لم يكن جلالا ممنوع من فعله وإن المعظم المحترم من ممنوع من التهاون به ، وهذا الكلام من سيدنا إبراهيم A بعد بناء الكعبة ، لقوله عند بيتك المحرم ، ويجوز أن يكون قبله باعتبار ما كان عليه قبل الطوفان فإنه كان مبنيًا ولما جاء الطوفان رفع سالمًا أو باعتبار ما يكون بعد من بناء إبراهيم له بأَن علم بالوحى أنه سيبنيه وأنه سبق في علم الله أنه سيحدث في موضعه ، { رَبَّنَا } كرر النداء كما تقول يا ربى يا ربى اغفر لى ، فهو تكرير للنداء قبله وإنما كرره وفصل به بين قوله أسكنت وقوله { لِيُقِيمُوا الصَّلاَةَ } بلام التعليل المتعلقة بأسكنت للإِشعار بأَن المقصود بالذات من إسكانهم هنالك إنما هو إِقامة الصلاة عند بيت الله المحرم ، كأَنه قيل ما أسكنتهم بهذا الوادى الخالى من الزرع والضرع والإِنس إِلا لإقامة الصلاة عند بيتك المحرم ، ويجوز أن يكون النداء غير مكرر بل داخل على محذوف ، أى يا ربنا أسكنتهم ثم ليقيموا الصلاة والمراد من الدعاء توفيقهم لإقامة الصلاة ، وقيل اللام لام الأَمر والمراد الدعاء لهم بإِقامتها كأَنه طلب منهم أن يقيموها ومن الله D أن يوفقهم إِليها فالنداء أيضًا تكرار ومستأنف لما بعده ، كأَنه قال ربنا اجعلهم مقيمين الصلاة { فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً } قلوبًا ، وقال ابن الأَنبارى: الفؤاد غير القلب ولكن عبر به عن القلب لقربه منه ، قيل سمى فؤاد لأَنه يفتئد ، أى يتقد عند الغضب أو الشدة والمفتاد المستوقد حيث يشوى اللحم { مِّنَ النَّاسِ } من للتبعيض متعلقة بمحذوف نعت لأفئدة ويقدر مضاف أى أفئدة ثابتة من أفئدة الناس والمراد جعل أفئدة المؤمنين وهى بعض أفئدة الناس .