{ قالَ } يوسف { هَل علمتُم ما فعَلْتم بيُوسفَ } من إلقاء في جب وبيع وضرب { وأخيهِ } بنيامن من إفراده عن يوسف وإذلاله حتى لا يستطيع أن يكلمهم ، وإيذائهم إياه كيوسف ، وقولهم: ما رأينا منكم يا بنى راحيل خيرا إلا بذلك ذكرهم ذلك ليجرهم إلى التوبة التى هى لله حق ، تقديما لحقه على حق نفسه ، فمراده هل علمتم قبح فعلكم بهما عند الله جل وعلا فتتوبوا عنه ، أو فتبتم عنه .
{ إذْ أنتم جاهِلُون } متعلق بفعلتم ، أى ما فعلتم بهما وقت جهلكم قبحه ، وسماهم جاهلين ولو كانوا عالمين ، لأنهم لم يعلموا بما علموا ، وقيل: إذا أنتم صغار في حد السفه والطيش لم تبلغوا ، أو إن الرزانة وهذا منه قيل: يجرى مجرى العذر ، وقيل: جاهلون بما يئول إليه أمر يوسف .
وروى أنه ما قال لهم: { هل علمتم } الخ حتى أزال القناع عن وجهه ، وقيل: أزاله بعد ، وقال الكلبى: سبب قول هذا المفضى إلى تعريف نفسه لهم كتاب أبيه ، الذى كتبه إليه بعد حبس بنيامين ووجهه معهم .
وقيل: سبب قوله ذلك أنه ذكر لهم ما فعلوا مع مالك بن ذعر ، وقال لهم: إن مالك بن ذعر قال: وجدت غلاما في بئر من حاله كذا فاشتريته ، فاعترفوا أنهم هو [ الذى ] بايعوه ، وقيل: إنه قرأ عليهم ما كتبوه لمالك بن ذعر ، وكان في آخره: إن الكاتب يهودا فاعترفاو بذلك فغضب وأمر بقتلهم ، فذهبوا بهم ليقتلوهم فوى يهودا وهو يقول: كان يعقوب يبكى ويحزن لفقد واحد حتى كف بصره ، فكيف إذا أتاه قتل بنيه كلهم ، ثم قالوا له: إن فعلت ذلك فابعث بأمتعتنا إلى أبينا فإنه بمكان كذا وروى أنه رمى إليهم كتاب مالك بن ذعر فأفحموا ، وأخذ الصواع فنقره فقال: إنه يخبرنى أنكم رميتم أخاكم في الجب ، وأهرقتم الماء من صطحيته ، وضربتموه ثم نقره فقال: يقول: أردتم قتله فمنعه يهودا ، فقال: نعم فقال: أيكم يهودا؟ فأشاروا إليه ، فقال: جزاك الله خيرا عن أخيك يا يهودا ، وجعل ينقره ويخبر حتى أتى على جميع فعلهم ، وفى ذلك يصدقونه ، فقال: بئس ما فعلتم بأخيكم ، ثم قال لغلمانه: خذوا بأيديهم واضربوا رقابهم ، فقالوا أيها العزلز لا تفعل ، فإن أبانا قد حزن على فقد واحد حتى عمى ، وتركناه على الآخر طائر القلب ، فكيف إذا سمع بقتلنا كلنا ، وتملقوا وبكوا ، وبكى معهم ، ثم رفع البرقع عن وجهه فغشيهم نور وجهه فشبهوه بيوسف .