{ فقد كذَّبُوا بالحقِّ } بالقرآن ومطلق الوحى ومطلق الحق { لمَّا جاءَهُم } رتب ذلك بالفاء على ما قبله ، لأنه لازم له ، فإنه يلزم من الإعراض عن الآيات بعدم التدبر فيها أن يكذبوا بالقرآن والوحى ، ومطلق الحق كمسيرة إلى بيت المقدس وإلى السماء ، ويجوز أن يكون هذا استدلالا وضعه الله لنا نستدل به على ثبوت إعراضهم ، لأنه لولا إعراضهم ما كذبوا ، فالتكذيب دليل الإعراض ، ووجه صحة تفريع التكذيب للحق وهو القرآن على الإعراض عن آيات القرآن أن الإعراض عن ألفاظ القرآن لا يدرسونها ولا يتفهمون معانيها ، ولا يحفظونها ، والتكذيب بالقرآن وهو الحق في قوله: « بالحق » تكذيبهم بمعانيه .
وأما على أن الآيات غير القرآن ، والحق القرآن ، فلا يخفى التقريع ، وقيل: المراد بالحق سيدنا محمد A ، وإذا قيد الآيات آيات القرآن فوجه التفريع أنهم إذا أعرضوا عن القرآن فكيف لا يكذبون بسائر ما يحييهم من الحق ، فإن القرآن أعظم الآيات .
{ فَسوف يأتيِيهم أنباء ما كانُوا بهِ يسْتَهزئون } الفاء سببية ، فإن إتيان أنباء ما كانوا يستهزئون مسبب عن تكذيبهم ، وأنباء بمعنى أخبار ، والذى به يستهزئون هو القرآن أو الحق مطلقًا ، وأنباء القرآن والحق تأويله ، أى وقوع ما ذكر أو الحق مطلقًا ، وأنباء القرآن والحق تأويله ، أى وقوع ما ذكر الله فيه أنه سيقع ، ككون المسلمين غالبين للكفار ، وما هو غيب ، وظهور الإسلام ، وعذاب الآخرة ، وعذاب الموت ، وقام الساعة ، فإن ذلك كله إخبار فيه ، وأضيفت إلى القرآن والحق لأنها فيه ، ووصفهم الله D بثلاثة أوصاف:
الأول: إعراضهم عن الآيات .
والثانى: التكذيب وهو أقبح ، لأن المعرض عن الشئ قد لا يكذب به .
الثالث: الاستهزاء وهو أقبح من التكذيب ، لأن المكذب بالشئ قد لا يبلغ تكذيبه إلى الاستهزاء وهو الغاية في القبح ، وبعد ذلك وعظهم الله جل وعلا بإهلاك القرون السابقة وقال: