{ وأطِيعُوا اللهَ ورسولَه } فى أمر القتال وغيره { ولا تَنازعُوا } الأصل تتنازعوا ، حذفت إحدى التاءين ، وقرئ بإثباتهما مع إدغام الأولى في الثانية اعتمادا على لا قبلها ، والتنازع باختلاف الآراء كما فعلوا بأحد وببدر قبله .
{ فَلفْشلُوا } منصوب بأن مضمرة وجوبا بعد فاء السببية الواقعة في وجوب النهى ، ولذا عطف عليه بالنصب في قوله: { وتَذْهبَ ريحُكُم } وقرأ هبيرة عن حفص ، عن عاصم بالجزم في تذهب ، فيكون تفشلوا معطوفا على تنازعوا ، وتذهب معطوفا عليه ، فكلاهما مجزوم ، وكذا قرأ عيسى بن عمرو بالجزم ، لكنه قرأ بالمثنات تحت ، لأن الريح يذكر ويؤنث ، بل تحتمل هذه القراءة التأنيث أيضا كما يقال: طلع الشمس ، وقرأ أبو حيوة بالنصب والمثناة تحت ، ورواه إبان وعصمت عن عاصم ويجوز في النصب مطلقا أن يكون على أن الواو واو الجمع التى ينصب المضار بعدها ، وفى الجزم مطلقا أن يكون عطفا على تنازعوا ، كأنه قيل: ولا تذهب ريحكم على حد لا أرينك هاهنا ، والجمهور على أن الريح مستعارة للدولة أو النصر ، والقوة استعارة تصريحية أصلية تحقيقية ، فإن الدولة في تمشى أمرها ونفاذه كالريح هبوبها ونفوذها ، فجعلت الدولة من جنس الريح على طريق مبالغة العرب ، وادعائها ، فأطلق عليها لفظ الريح ، يقال: هبت ريح فلان ، والريح لفلان ، إذ دالت له الدولة ونفذ أمره .
قال الشاعر:
أتنظران قليلا ريث غفلتهم ... أم تعدوان فإن الريح للعادى
وقال عبيدة بن الأبرص:
كما حميناك يوم النعب من شطب ... والفضل للقوم من ريح ومن عدد
وقال الشاعر الأنصارى:
قد عودتهم ظباهم أن تكون لهم ... ريح القتال وأسلاب الذين لقوا
وقال الشاعر:
إذا هبت رياحك فاغتنمها ... فإن لكل عاصفة سكونا
وعن زيد بن على: ويحكم رعبكم الذى في قلوب أعدائكم ، يذهب بأمر الله من قلوب العدو إذا تنازعوا ، ولو لم يعلم العدو بالتنازع ، وقيل: إن علم وإلا فالذاهب قوة المتنازعين ، وقد فسر مجاهد الريح بالنصر والقوة ، وقد ذهبت ريح أصحاب النبى A حين نازعوه يوم أحد ، وفسره السدى بالجراءة والجد ، ومقاتل بالجدة ، وابن زيد وقتادة بالريح الحقيق ، فإن النصرة لا تكون إلا بريح يبعثها الله ، يضرب بها وجوه العدو ، وعنه A: « نصرت بالصباء وأهلكت عاد بالدبور »
قال بعضهم: فالريح في الآية الصبا إذ بها نصر محمد وأمته ، وقيل: هذا في غزوة الخندق خاصة ، والمشهور العموم ، وقد خرج أبو داود عن النعمان بن مقرن أنه قال: شاهدت رسول الله A إذا لم يقاتل أول النهار أخر القتال حتى تزول الشمس وتهب الرياح ، وينزل النصر ، قال أبو حاتم في كتابه ، عن إبراهيم: فتفشلوا بكسر الشين وهذا غير معروف .