{ سَيحْلفُونَ باللهِ إذا انقَلبْتُم } رجعتم { إلَيهم لتُعرضُوا عَنْهم } أى لتتركوا عتابهم وتوبيخهم { فأعْرضُوا عَنْهم } كما يحبون ، فإن العتاب لا يؤثر فيهم ، وعلل ذلك بقوله: { إنَّهم رجْسٌ } أى لأنهم نفس الخبث والنجس ، فلا يطهره شىء ، بخلاف من أصله طاهر ، فإنه اذا فرطت منه زلة أمكن تطهيرها وبقوله:
{ ومَأواهُم جَهنَّم } أى مصيرهم هى ، والتعليلان مغيبان وكأنه قيل: لأنهم نفس الخبث والنجس ، ولأن الله سبحانه قد أوعدهم النار فهى تكفيهم عتابا وتوبيخا فلا تتكلفوهما ، أو هذا من تمام التعليل الأول ، وقيل: معنى { فأعرضوا عنهم } فلا تجالسوهم ولا تكلموهم { جزاء } مفعول مطلق أو مفعول لأجله معلل لقوله اعرضوا أو للمحذوف أى اوعدتهم بجهنم جزاء { بمَا كانُوا يكْسبُونَ } .
وعن بعضهم: إن هذه الآية { سيحلفون بالله } الخ أول ما نزل في المنافقين في غزوة تبوك ، وذلك أن بعض المنافقين استأذنوه في التحلف فأذن لهم ، فخرجوا من عنده ، وقال أحدهم: والله ما هو إلا شحمة لأول آكل ، فلما خرج رسول الله A نزل فيهم القرآن ، فانصرف رجل من القوم فقال للمنافقين في مجلس منهم: والله لقد نزل على محمد فيكم قرآن ، فقالوا له: وما ذلك؟ قال: لا أحفظ إلا أنى سمعت وصفكم بالرجس ، فقال لهم مخشى: والله لوددت أن أجلد مائة جلدة ولا أكون معكم ، فلحق برسول الله A ، فقال: « ما جاء بك » فقال: وجه رسول الله تسفه الريح ، وأنا في الكن ، فروى أنه ممن تاب ، وقيل: لما قدم من تبوك جلس للناس ، فجاء المتخلفون يعتذرون ويحلفون ، فقبل عنهم ، وبايعهم واستغفر لهم ، ورضى عنهم فنزل قوله تعالى: { يحْلفُونَ لكُم لترْضَوا عَنْهم . . . } .