{ وَرُسُلًا } : مفعول لمحذوف دل عليه ، أوحينا أى وأرسلنا رسلا أو نبأنا رسلا ، أو نصب على الاشتغال بما دل عليه قوله:
{ قَدْ قَصَصْنَاهُمْ } : أى وقد قصصنا رسلا قد قصصناهم .
{ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ } : في الآيات التى نزلت ، وذكروا فيها كما في سورة الأنعام قالت اليهود: ما لموسى لم يذكر مع من ذكر في الآية المذكورة قبل هذه ، فنزلت هذه الآية يقول فيها قد ذكرناه قبلن وذكره أيضا آخر هذه الآية .
{ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ } : أى وأرسلنا رسلا لم نقصصهم عليك ، أو نبأنا رسلا لم نقصصهم عليك ، أو لم نقصص رسلا عليك لم نقصصهم عليك ، فنصبه بمحذوف على غير الاشتعال ، أو عليه كما مر في الذى قبله ، وعلى كل حال فمعطوف الواو فيهما هو ناصبهما المحذوف ، واذا كان على غير الاشتغال فالجملتان بعد المنصوبين نعتان لهما ، ومعنى قصصنا ذكرنا ، ومن ذكره الله في القرآن فهو أفضل ممن لم يذكره باسمه .
{ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا } : ألقى الله في قلبه وسمعه كلاما سمعه من جميع جهاته الست ، من غير أن يكون هناك لفظ ولا شفة ولا لسان ، وذلك الكلام عرض خلقه الله لا من شىء ولا في شىء ، والله قادر على ذلك ، ولو كان العرض في الجملة لا يقوم بنفسه ، وليس ذلك عندى بمستحيل في قدرة الله ، وما ذكرت من انه سمعه من جميع جهاته ، ومذكور في أثر ، ويجوز أن يكون معنى تكليمه إلقاء معنى الكلام في نفسه بلا سمع .
قال الفراء: العرب تسمى كل ما يوصل الى الانسان كلاما بآى طريق وصل ، وقيل: معناه أنه خلق له الكلام في جسم من الأجسام ، ونسب للقدرية ولا مانع منه ، وزعم قومنا أن التوكيد اللفظى مما يفيد رفع المجاز ، فبنوا على ذلك أن الله كلم موسى بلا واسطة ، ولا خلق كلام في شىء ، لأن تكليما مصدر مؤكد لكلم وهو في معناه ولفظه ، وكذا معناه دون لفظه كقمت وقوفا ، وذلك خطأ منهم في صفة الله D ، ولو صح في نفسه بل التوكيد يأتى عند التحقيق بحسب ما أكده به من حقيقة أو مجاز بقرينة ظاهرة أ خفية حالية أو مقالية .
فلو قيل: جاء أسد أسد وأريد الرجل الشجاع ، ونصبت قرينة خفية ينفطن لها بعض الناس لجاز ، ثم رأيت ما يقرب مما ذكرت في كلام ابن هشام اذ قال: الظاهر أن التوكيد يبعد ارادة المجاز ، ولا يرفعها بالكلية ، لأن رفعها بالكلية ينافى الاتيان بالألفاظ متعددة ، ولو صار بالأول نصا لم يؤكد ثانيا ، ثم ان القائل لذلك في الآية يرى أن كلام الله الحقيقى هو ما بألفاظ بلا واسطة ، وغاب عنه أن حقيقة كلامه أما خلق الكلام من ناطق حاشاه ، أو مجرد نفى الخرس أو حيه ، وأنه لا يجوز وصفه بالنطق واللفظ .