{ صُمُّ } : عن الهدى فلا يسمعونه سماع قبول ، فإذا لم يقبلوه فكأنهم لم يسمعوه ، فإذا لم يسمعوه فكأنهم لا يسمعون شيئًا أصلا ، إذ لا عبرة بسماع الأشياء مع عدم سماع الهدى ، ولك أن تقول: الآية إخبار عن كونهم صما عن كل شئ الهدى وسائر المباحات ، كما يدل عليه الإطلاق ، إذ كان سمعهم لا ينفعهم لعدم الاهتداء وهو جميع أصلم ، والأصم من لا يسمع ، وسببه أن يكون باكن خرق الأذن مجتمعًا لا تجويف فيه يشمل على هواء يسمع الصوت بتموجه فيه ، وأصله الصم الذى هو صلابة من اجتماع الأجزاء وتصامها وكثافتها ، ومنه حجر أصم وصخرة صماء وصمام القارورة وهو سدادها .
{ بُكْمٌ } : عن الهدى لا ينطقون به ، وإذا نطقوا به فنطق لا يطابقه اعتقادهم ، فإذا كانت هذه حالهم فكأنهم بكم في كل شئ لا يطيقون النطق بشئ ما ، إذ لا عبرة بنطق بالأشياء مع عدم النطق بالهدى ، النطق بالمطابقة للاعتقاد ، والمراد أنهم بكم عن كل كلام إذ كان نطقهم لا يكون نطقًا موافقًا له الاعتقاد ، فهو لا ينفعهم فكأنهم لا ينطقون أصلا وهو جمع أبكم وهو من لا ينطق ، ويقال له أيضًا أخرس ، وقيل: من لا ينطق ولا يفهم أبكم وهو الذى ولد أخرس ، ومن لا ينطق ولكنه يفهم أخرس ، وهو الذى يسمع فكان يفهم ثم كان لا يسمع .
{ عُمْىٌ } : عن طريق الهدى فلا يبصرونه ، وإذا ادعوا إبصاره ودخوله والعمل به فخداع لا تحقيق ، فإذا لم يبصروه تحقيقًا فكأنهم لم يبصروه ، فكأنهم لا يبصرون بعيون وجوههم ، إذ لا عبرة بالنظر بالعين مع عدم الاستدلال بها ، أو المراد أنهم عمى عن نظر الأشياء رأسًا من حيث الإطلاق ، وهو جمع أعمى ، والعمى عدم البصر كما من شأنه أن يبصر فلا يقال لغير الحيوانات أعمى ، ولما لما لا عين له منها ، فمن خلق بلا عينين لا يقال له أعمى لأنه ليس من شأنه أن ينظر بلا عين ، وكذا من خلق بعين واحدة لا يقال لموضع عينه الأخرى أعمى ، ويطلق العمى أيضً على عدم نور القلب ، فمن لا نور في قلبه يميز به الحق فلا فائدة في نظر عينيه ، لما لم يستعملوا آذانهم وألسنتهم وعيونهم فيما خلقت له من الهدى ، سموا بأسماء من لا سمع ولا نطق ولا بصر لهم إذ لام ينتفعوا بها ، فكانت كالعدم فهم كمن إيقت حاسته ، بكسر الهمزة وإسكان الياء ، كبيعت أى أصيبت بآفة .
قال الشاعر:
ما بال قوم صديق ثم ليس لهم ... عهد وليس لهم دين إذا أنمنواp صم إذا سمعوا خيرًا ذكرت به
وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا ... أى إذا مسعوا خيرًا ذكرت به صاروا كمن لا يسمع فلا ينطقون به ولا ينشرونه ، وإن ذكرت بسوء كانت لهم آذان السمع فيعونه وينشرونه أو من أذنت للشئ إذا أصغيت إليه .