{ قلْ } يا محمد لهؤلاء { أىُّ شئْ أكبَرُ شَهادةً } أى أعظم شهادة ، ولا يجدون أعظم من الله شهادة ، فإن قالوا: الله أكبر شهادة صدقوا وقد شهد أن لك بالرسالة ، ولكن لا يقولون في جوابك: الله أكبر شهادة ، ولو علموا أنه أكبر شهادة ، بل يسكتون أو يقولون الله أكبر شهادة ، وينكرون أنه قد شهد لك .
{ قل } لهم لأنك على يقين من أمرك { اللهُ شهيدٌ بينى وبيْنَكم } برسالتى هو الذى أخبركم بها ، الله مبتدأ ، وشهيد خبره ، وبينى متعلق بشهيد ، أو خبر ثان أو نعت لشهيد عند مجيز نعت الصفة ، والله معلوم عندهم أنه أكبر شهادة ، فإذا شهد له فقد شهد لهُ من هو أكبر شهادة ، ففى كونه شهيدًا تضمن لجواب أى شئ أكبر شهادة وزيادة وحكمة العدول ، إلى الجواب يكون الله شهيدًا عن الجواب ، بأن الشئ الذى هو أكبر شهادة هو الله أن كونه أكبر شهادة معلوم لهُ لا ينكرونه ، فأخبر أنه شهيد كذبتم أو صدقتم ، لأن الله قد شهد له ، فما له إلا أن يكتفى بذكر شهادة ، ولو أنكروا أن يكون قد شهد له .
ويجوز أن يكون الله مبتدأ خبره محذوف ، أى الله أكبر شهادة ، فهذا جواب في قوله: { أى شئ أكبر شهادة } أجاب به ، هو أيضا لأنه لا بد أن الله عنده أكبر شهادة ، فلا يلزم التوقف حتى يكون هم المجيبون ، وعلى هذا فيكون شهيد خبرًا ثانيا ، والأول محذوف كما رأيت أو شهيد خبر لمحذوف ، أى هو شهيد ، والجملتان محكيتان بالقول ، وهذا الوجه هو مختار القاضى ، وفى الآية دليل على أنه يجوز أن يقول الله شئ ، لأن قوله: { قل الله } أو مع ما بعده وقع جواب لقوله: { أى شئ } ومثله استثناؤه تعالى من كل شئ في قوله تعالى: { كل شئ هالك } والأصل في الاستثناء الاتصال ، وقيل: لا يقال الله شئ إلا أن يراد لا كالأشياء .
{ وأوحِى إلىَّ هذا القُرآن لأنذِركُم بهِ ومَنْ بَلَغ } عطف من كل كاف أنذركم ، فكأنه قيل: لأنذركم به وأنذر من بلغه ، فالرابط هاء محذوفة ، وضمير بلغ عائد إلى القرآن ، أى أى أنذر بالقرآن من بلغه القرآن ، وزعم بعض أن المراد ومن بلغ الحكم ، وفى الكلام حذف آخر ، أى لا تذكركم به ، وأبشركم به ، وأنذر به من بلغ وأبشر .
والخطاب لأهل مكة فيكون قوله: { ومن بلغ } لغيرهم من الجن والإنس والعرب والعجم الموجودين في ذلك الزمان ، أو بعده ، ودخل فيه من يوحد بعد من أهل مكة أو الخطاب الموجودين في الدنيا كلها حال النزول من أهل مكة وغيرهم من الجن والإنس العرب والعجم ، فيكون قوله: { ومن بلغ } لمن يوجد في أى موضع منهم كلهم ، فإن القرآن منذر مبشر بما فيه ، ومعجز بفصاحته وبلاغته ، وأخبار الغيوب الموافقة .