{ ومِنَ الأعْرابِ مَنْ يتَّخذُ } يجعل أو يعد { ما ينْفقُ } فى سبيل الله جهادا وزكاة { مَغْرمًا } أى غرامة ، فهو مصدر ميمى ، ومعناه ومعناه الخسران ، لأنه إنما ينفق خوفا من المؤمنين ، أو رياء لا رجاء ثواب ، أو خوف عقاب ، ومن الغرامة ما ينفقه الإنسان ، وليس يلزمه ، قبل: وأصله الدين ثم كثر استعماله في ذلك .
{ ويتَربَّصُ } ينتظر { بكُم الدَّوائرَ } نوائب الدهر وتقلباته ، بأن يموت الرسول ويظهر المشركون أو يغلبوم والمؤمنين ، فيستريحوا من الإنفاق والأحكام { عَليْهم دَائرةُ السَّوءِ } هذا على طريق الدعاء ، وكل ما كان بطريق الدعاء من الله فهو إيجاب ، لأنه إنما يدعو من كان فوقه أحد يملك مالا يقدر هو عليه ، ويجوز أن يكون ذلك إخبارا من الله سبحانه وتعالى .
وعلى كل ، فذلك مقابلة لهم بمثل ما تربصوه بالمؤمنين ، بأن تكون الغلبة للنبى والمؤمنين والفوز ، ومثله: { وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم } والدائرة مفرد الدوائر ، وهى اسم فاعل للخصلة تغلبت عليها الاسمية ، أو مصدر بمعنى الدور ، تغلبت عليه أيضا ، سميت به عاقبة الزمان ، فإنه تارة يأتى بالشر ، وتارة بالخير ، فهى من دور الزمان بمعنى تصرفه وتقلبه ، أو من الدور بالشىء بمعنى الإحاطة به ، فهى ما يصيب الإنسان ويحيط به ، بحيث لا يتخلص منه ، فعلى أنها تطلق عامة إضافتها للسوء لتبين المراد بها ، وعلى أنها تطلق في الشر ، فإضافتها إليه مبالغة .
والسوء بفتح السين وإسكان الواو إسكانا حيا مصدر ، وفى الإضافة إليه من حيث إنه مصدر مبالغة على حد قولك: رجل كذب ، ورجل زنى ، ورجل صدق بالإضافة مبالغة في الذم والمدح ، وقرأ ابن كثير ، وأبو عمرو هنا وفى سورة الفتح ، بضم السين وإسكان الواو ميتا ، وكذا ابن محيصن ، وعاصم ، والأعمش في رواية عنهم هنا ، وهو أيضا رواية عن ابن كثير ، ولم يختلف القراء في الفتح فى { ما كان أبوك امرأ سَوْءٍ } والمعنى واحد عند بعض .
وقال بعض: المفتوح مصدر ، والمضموم اسم ، وهو الذى يظهر لى ، وقيل: المضموم اسم مصدر ، وقيل: هو في الأصل مصدر ، ولا يقال: رجل سَوء إلا بفتح السين فيما قال الأكثرون ، وحكى قوله:
وكتب كذئب السوء لما رأى دما ... بصاحبه يومًا أحال على الدم
بضم السين .
{ واللهُ سَميعٌ } لما يقولون عند توجه الإنفاق والصدقات إليهم بإلزامها إياهم ، وعند الإنفاق والتصديق { عَليمٌ } بإظهارهم الكفر والنفاق ، والغش والسوء للمؤمنين ، قيل: أعراب أسد وغطفان وتميم ، واستثنى الله منهم بقوله: { ومِنَ الأعْرابِ مَنْ يُؤمنُ باللهِ واليَوم الآخِرِ . . . }