{ قَالُوا سُبْحَانَكَ } : نزهناك تنزيهًا عن الاعتراض عليك ، وإنما سؤالنا تعجب وطلب لبيان الحكمة لا اعتراض . وقد علم الله ذلك . وعن أن تفعل غير الحكمة ، وعن أن يعلم أحد لم تعلمه . كما يدل عليه ما بعد ، وهو اسم مصدر ، لأن الفعل سبح بالتشديد ، كما قالوا نسبح ، فالمصدر التسبيح ، وهذا أولى من أن يقال: هو مصدر سبح الثلاثى بمعنى النزيه ، لأن سبح بالتخفيف بمعنى التنزيه قليل . وسبحان كثير ينطق به ويشدد ولا يخفف . فالجمهور على أنه اسم مصدر ، وهو لازم للإضافة على جنس التسبيح . وشد عدم إضافته ، وإذا لم يضف كان أيًا غير منون ، لأنه علم زيدت فيه ألف ونون في آخره . ومن عدمها قول الأعشى يمدح عامر بن الطفيل ، ويذم علقمة بن علاسة:
قد قلت لما جاءنى فخره ... سبحانه من علقمة الفاخر
والهاء في فخره عائد إلى عامر بن الطفيل ، ومن علقمة: جار ومجرور متعلق بسبحان منه أى عجبًا منه إذ يفخر . قال في الصحاح بعد أن ساق هذا البيت: الرب تقول سبحان الله من كذا إذا تعجبت منه . وعلقمة هذا صحابى قدم على رسول الله - A - وهو شيخ فأسلم وبايع ، واستعمله عمر بن الخطاب على حوران بها . وإنما ذمه الأعشى لأن الأعشى لم يسلم ، أو أسلم وذمه عصيانًا كما يعصى الموحد ، أسلم وذم . أو أسلم وذم علقمة قبل إسلامه ، أعنى قبل إسلام علقمة . وقد قيل إن الأعشى قدم مكة ليأتى المدينة فيسلم ويبايع ، فصده أهل مكة بأنه يحرم الزنى فقال: لا حاجة لى فيه . فقالوا: إنه يحرم الخمر ، فقال: أتروى منها عامى ، ثم أجبنه ، فمات قبل . ولكن أشعاره نص في إسلامه إذ قال:
نبى يرى ما لا ترون وذكره ... أغار لعمى في البلاد وأنجدا
ونحو ذلك من أبيات حسنة ، ساقها الثعالبى في كتاب السيرة ، وألفه يحذف في الخط ويقرأ ، ويجوز أن تكتب كسائر الأعلام الرباعية فصاعدا كصالح وسليمان في جواز الوجهين ، وتحذف في خط المصاحف ، وإنما صدر الملائكة الكلام: سبحانك ، اعتذارا عن طلبهم التفسير وعن الجهل بحقيقة الحال ، ولكونهم صدروا به كلام توبتهم ، كما صدر به موسى توبته إذ قال: { سبحانك إنى تبت إليك } ويونس إذ قال: { سبحانك إنى كنت من الظالمين } { لا علم لنا إلا ما علمتنا } أى لا معلوم لنا إلا ما علمتنا ، فالعلم بمعنى المعلوم ، وما: اسم ، إبقاه على المصدرية ، فتجعل ما: اسمًا أيضًا على حذف مضاف ، ألى لا علم إلا ما علمتناه ، وذلك منهم مراعاة للذنب بتفويض العلم كله إليه ، واعتراف بالعجز عن أن ينبئوه بأسماء هؤلاء ، واعتراف بأنه قد ظهر لهم ما خفى عليهم من فضل الإنسان ، والحكمة في استخلافه ، وإظهار لشكر نعمته التى هى تلعيمه إياهم ما قد علمهم إياه ، وهى أيضا كشف ما خفى عليهم من فضل الأنسان والحكمة في خلقه .