{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالكِتَابِ الَّذِى نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالكِتَابِ الَّذِى أَنزَلَ مِن قَبْلُ } : أى يا أيها الذين آمنوا بقلوبهم وألسنتهم بما يجب الايمان به ، دوموا على الايمان بالله ورسوله ، والقرآن والكتب الذى أنزلهها الله من قبل القرآن ، أو ازدادوا ايمانا ، فالايمان المأمور به بمعنى الدوام عليه ، والازدياد منه ، فهو غير المخبر بحصوله ، فلا تحصيل حاصل .
والمراد بالكتاب الذى أنزل من قبل كتب الله كلها قبل القرآن ، وفى ضمن الايمان بها الايمان بالرسل التى انزلت عليهم ، وسائر الرسل والأنبياء ، بل في ضمن الايمان بالقرآن الايمان بذلك كله ، وقيل: الخطاب للمنافقين باضمار الشرك ، أى يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم دون قلوبهم ، آمنوا بالله ورسوله00الخ بألسنتكم وقلوبكمن أو للمنافقين الذين لم يضمروا شركا ، أى يا أيها الذين آمنوا ايمانا غير متحقق بالأعمال آمنوا بالله ورسوله 00 الخ ايمانا محققا بالأعمال .
وعن ابن عباس رضى الله عنه أنه قال: عبد الله بن سلام ، وأسد ابن كعب وأخوه أسيد بن كعب ، وثعلبة بن قيس ، وسلالم ابن أخت عبد الله بن سلام ، وسلمة بن أخيه ، ويامين بن يامين أتوا رسول الله A وقالوا: يا رسول الله إنا نؤمن بك وبكتابك ، وموسى والتوراة وعزير ، ونكفر بما سواه من الكتب والرسل ، فقال رسول الله A: « بل آمنوا بالله ورسوله محمد وكتابه القرآن وبكل كتاب كان قبله » فقالوا: لا نفعل ، فنزلت الآية فآمنوا كلهم بذلك كله .
وقالت فرقة ورجحة الطبرى: الخطاب لأهل الكتاب المشركين الذين آمنوا ببعض ، وتركوا بعضا مثل اليهود اذ آمنوا بالتوراة ، وموسى عليه السلام ، وكفروا بعيسى والانجيل ، ومثل النصارى اذ عكسوا ذلك ، وكفر الفريقان بسيدنا محمدم A ، كما قال الله عنهم: { نؤمن ببعض ونكفر ببعض } الآية ، أى يا أيها الذين آمنوا ببعض آمنوا بالله ورسوله محمد A والكتاب الذى نزل عليه وهو القرآن ، والكتب التى أنزلها من قبله والأنبياء كلهم ، فان الايمان ببعض دون بعض لا يفيد ، وكذا في قصة عبد الله بن سلام ، بل ذلك جهاد وعناد ، فان الايمان بكتاب واحد ورسول أو نبى واحد قم تضمن الايمان بالكل ، فآل الأمر الى أنه من آمن ببعض الأنبياء أو بعض الرسل ، أو بعض الكتب في زعمه ، غير مؤمن بذلك البعض الذى زعم أنه آمن به ، لأن ذلك البعض يوجب الايمان بالكل .
وقال أولا: نزل بالتشديدن لأن التنزيل بتدريج والقرآن نزل كذلك شيئا فشيئا .
وقال ثانيا: أنزل بالهمزة ، لأن غيره من الكتب نزل بمرة والانزال لغير التدريج ، وقد يكون التنزيل فيما هو بمرة والانزال فيما تبدريج ، وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمر ببناء نزل وأنزل للمفعول ، والفاعل هو الله ، كما أنه الفاعل في قراءة الجمهور بالبناء للفاعل .