{ وجَعَلوا } أى مشركو العرب من قريش وغيرهم { للهِ ممَّا ذَرَأ } خلق { مِنَ الحَرْث } أى من ثمار الحرث فحذف المضاف ، والحرث مصدر ، وإضافة الثمار إلى الحرث تصح ، لأن الحرث سببها وملزومها وآلتها ، أو بمعنى البذر المحروث ، وإضافة الثمار إليه لأنه أصله وآلته ، أو بمعنى ما نبت من الأوراق والأغصان ، أضاف الثمار إليه لأنها منه ، وأنه آلة لها ، ويدل لهذا الوجه الأخير ما روى أن أهل الجاهلية كانوا يقسمون الحرث وهو قائم على سوقه ويقولون: ما ردت الخطة داخلا لأصنامهم ، وما ردت خارجا لله تعالى ، ففى هذه الرواية لا يحتاج لتقدير مضاف ، لأنهم يجعلون النصيب من النبات كله ، فما فيه من الثمار فهو لله ، وما في النصيب الآخر للأصنام ، ويجوز أن يكون الحرث بمعنى الثمار بشئ يسببه أو أصله ، فإذا كان بأصله فمجاز مركب ، لأن الحرث بمعنى الورق والأغصان مجاز أول ، ثم بمعنى الثمار مجاز ثان ، ولم يقل: وجعلوا لله من الحرث والأنعام ، بل قال: { مما ذرأ من الحرث والأنعام } ليكون أزيد في تقبيح فعلهم إذ عمدوا إلى شئ خلقه ، فجعلوا منه نصيبا يتقربون به إلى ما لا ينفع ولا يضر وهو الأصنام .
{ والأنْعام } الغنم والبقر والإبل أنفسها وما تنتج { نَصيبًا } وليسوا يقولون يأكون حاشاه ، ولكن يتصدقون به على الفقراء والضعيف ، ويقطعون منه في النائبة ويغيثون منه الملهوف ، فهذا في نفسه ليس معيبا ، والمعيب إنما هو رجوعهم به إلى نصيب الأصنام ، إذا احتاجوا أن يردوه إليه ، وأكلهم إياه إذا احتاجوا إليه في مجاعة ، وعيب عليهم في الآية شيئان: جعل نصيب للأصنام ، ووصول ما كان لله تعالى إلى نصيب أصنامهم ، عاب عليهم ذلك بعد ما عاب عليهم إنكار البعث ، وغير إنكارهم من القبائح ، وفى الكلام حذف تقديره: وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا ، وجعلوا لشركائهم نصيبا أو لشركائهم نصيبا ، ودل عليه قوله بعد: { هذا لشركائنا } وذكر الرواة أيضا أنهم يجعلون نصيبا لله ونصيبا لشركائهم من سائر مالهم أيضا غير الحرث والأنعام .
{ فقالُوا هذا } أى هذا النصيب { للهِ بزَعْمهم } بكلامهم الكاذب ، أو كلامهم الفاسد لا وجه كذبه أنه نصيب لله فيما قالوا ، ثم إنهم يعطون منه في الأصنام ويأكلون منه ، ووجه فساده ذلك أيضا مع أنه مقابل لنصيب الأصنام ، وهذه المقابلة إشراك ، وبزعمهم متعلق بقالوا ، وقرأ الكسائى بضم الزاى وفيه لغة ثالثة لم يقرأ بها أحد وهو كسر الزاى .
{ وهَذا لشُركائِنا } أى وهذا النصيب الآخر لشركائنا ، أى للأصنام التى هى شركاؤنا في أموالنا ، فالشركاء شركاء المال لا شركاء عبادة الله ، فهو من الشركة ، وفيه وجهان:
أحدهما: أن تعتبر أنهم أشركوا الأصنام لأنفسهم ، أى وهذا للأصنام الذين أشركناهم ، فنا فاعل من حيث المعنى .