{ وإذْ } عطف على إذ قبله { أخذَ ربُّكَ } أخرج { مِنْ بَنى آدمَ } فى زمانك وقبله اليهود وغيرهم ، أو المراد اليهود الماضية الذين أشركوا بقتل الأنبياء ، وقولهم: عزير ابن الله ، وغير ذلك ، لأن الكلام قبل وبعد في اليهود ، والذرية ذريتهم مطلقا ، وقيل: ذريتهم في عصر النبى A { مِنْ ظُهُورهم } بدل بعض ، لأن ظهر الإنسان بعضه لا بدل اشتمال كما قال السيوطى { ذُرِّيَّاتهم } وقرأ ابن كثير ، وعاصم ، وحمزة ، والكسائى ذريتهم بالإفراد وفتح التاء ، والمعنى أخرج من أصلابهم نسولهم في الأوقات التى علم الله بها في الأزل أنهم يخرجون فيها .
{ وأشْهَدهم عَلَى أنفُسِهِم } أظهر لهم دلائل الوحدانية والربوبية ، وأوضحهما حتى شهدت بهما عقولهم ، فهذا إشهاد حقيق ، أو ركب في عقولهم ما يدعوهم إلى الإقرار بهما ، حتى كأنه أشهدهم إشهادا ولقوة الإظهار والإيضاح صاروا بمنزلة من قيل لهم { ألسْتُ بربِّكُمْ } وبالمنفرد بالألوهية ، ونزل شهادة عقولهم أو تركيب ما يدعوهم إلى الإقرار فيها منزلة القول فقال: { قالُوا بَلَى } أى أنت ربُّنا وإلهنا وقوله: { شَهدْنا } إنك ربنا وإلهنا ، تأكيد لمعنى بلى ، فذلك كله مجاز مركب استعارة تمثيلية ، وهى أن تؤخذ أمور متعددة من المشبه ، وتجمع في الخاطر ، وكذا من المشبه به ، ويجعل المجموعان متشاركين في مجموع متنزع يشملهما ، وذلك في الكلام العربى شائع كقوله سبحانه: { إنما قولنا لشئ } الخ { فقال لها } إلى { طائعين } إذ قلنا إنه لا قول ، ثم وقول الشاعر:
وقالت الأنساع للبطن الحق ... قالت له ريح الصباء قرقار
وهذا تحقيق المقام ، وفسره بعضهم بل الجمهور بأنه لما خلق الله آدم أخرج من ظهره ذرية كالذر متحركة ، السعداء بيض ، والأشقياء سود ، وروى كالخردل ، وعن محمد بن كعب: أنها الأرواح جعلت بصورة ذلك ، وعنه A: « أنه أخذوا من ظهره كما يؤخذ بالمشط من الرأس » وعن ابن عباس: أخرجها بعد هبوطه بدهناء أرض الهند ، وعنه: بنعمان وهو عرفة ، وقيل: عرفة وما يليها ، وقيل: جبل وراءها .
وقال السدي: إن ذلك في السماء بعد دخول الجنة ، وأنه مسح صفحة ظهره اليمنى فخرج كهيئة الذر بيضا ، وقال: إلى الجنة برحمتى ، وهم أصحاب اليمين ، وبعمل أهلها يعملون ، ثم على اليسرى فخرج كهيئة الذر سودا ، وقال: إلى النار ولا أبالى ، وبعمل أهلها يعملون كما في الحديث: « إن السعيد يختم له بعمل أهل الجنة والشقى بعمل أهل النار فهم أصحاب الشمال » وأعادهم في صلبه وقد عرفه أنهم ذريته ، ولم يبق واحد منهم لم يخرج .
وروى: ضرب على منكبه ، وفى رواية مسح بيمينه على ظهره ، وكل من المسح والضرب ونحوه عبارة عن إيجاد الذرية منه في الخارج ، واليمين القدرة أو الماسح ، والضارب ملك بأمر الله ، وأصل الحديث رواه عمر وابن عباس رضى الله عنهم ، وفسرا به الآية مع أنه ليس في الآية ذكر آدم ، ووجه بعضهم ذلك بأن الإخراج من ظهر آدم الذى هو الأصل إخراج من ظهور بنيه الذين هم الفرع ، وهذا رد للآية إلى الحديث ، وبعضهم بأن المخرج من ظهورهم مخرج من ظهره ، لأن بنى آدم من ظهره ، وهذا رد الحديث إلى الآية ، وعلى كل حال فذرياتهم مفعول أخذ ، وقيل: بدل اشتمال من بنى آدم بدل البعض ، ومفعول أخذ محذوف أى عهدا أو ميثاقا ، وهذا رد للآية إلى الحديث ، ولا يلزم من كون الأخذ من الذرية عدم الأخذ من الآباء ، بل أخذ من الكل كما بينه الحديث ، ولو لم يذكر في الآية إلا الذرية .