{ وجَاءُوا أباهُم عشَاءً } وقت العشاء ليكونوا في الظلمة ، أجرى على الاعتذار ، وقد قيل: لا تطلب الحاجة بالليل ، فإن المياه في العينين ولا تعتذر بالنهار فتتلجلج بالاعتذار ، ولا تقدر على تمامه ، ذكر ذلك في عرائس القرآن ، وقيل: العشاء آخر النهار ، وقرأ الحسن عشيا بتصغير عشى ، وقال ابن جنى: قرأ الحسن عشى بالضم والقصر جمع أعشى أى كالرجل الأعشى القليل البصر لبكائهم ، وهم على الأولين ظرف وعلى الثلاثة حال .
{ يَبْكُون } حال ، روى أنهم لما ألقوه في الجب عمدوا إلى سخلة من الغنم فذبحوها ، ولطخوا بدمها قميص يوسف وشووها ، وأكلوا لحمها ، ثم رجعوا إلى يعقوب فوجدوه قاعدا على قارعة الطريق ينتظرهم متى يأتون بيوسف ، فلما دنوا منه صرخوا صرخة واحدة ، ورفعوا أصواتهم بالبكاء ، فعلم يعقوب أنهم قد أصيبوا بمصيبةن فلما رآهم اجتمعوا وتقدموا بين يديه ، وشقوا جيبوهم ، وبكوا ففزع وقال: ما بالكم يأتينى ، وأين يوسف؟ فقالوا: ما أخبرنا الله سبحانه ، وتعالى به إذ قال:
قالُوا يا أبانا الخ وهذا قميصه ملطخ بدمه ، ولما سمع كلامهم خر مغشيا عليه إلى الصباح: وبكوا عليه جميعا فقالوا فيما بينهم: بئس ما فعلنا بيوسف ووالده ، وأى عذر لنا عند الله تعالى ، ولما ألفاق الفتف إليهم وقال: هكذا ظنى بكم ، بئس ما فعلتم وسولت لكم أنفسكم ، وروى أ ، ه سمع بكاءهم فخرج إليهم ، فلما رآهم قال: بالله سألتكم يا بنى هلا أصابكم شئ في غنمكم؟ قالوا: لا ، قال: فما أصابكم وأين يوسف؟ فقالوا: يا أبانا الخ .
روى أن ارمأة حاكمتإلى شريح فبكت ، فقال له الشعبى: وقيل: رجل سواه يا أبا أمية أما تراها بتكى؟ فقال: قد جاء إخوة يوسف يبكون وهم ظلمة ، ولا ينبغى لأحد أن يقضى إلا بما أمر أن يقضى به من السنة الرضية ، وأنشدوا:
واغرك من شيخ بكاء ومملقة ... أم اللحية البيضاء للنطق مطلقه ... فإن بنى يعقوب جاءوا أباهم ... عشاء وهم يبكون زورًا ومخرقة ... { إنَّ ذَهنْا نَسْتبِقُ } على أرلجنا ليتبين أبينا أسرع سعيا ، وأخف حركة ، قاله السدى ، قلت: هو الصحيحن وقال مقاتل: نستبق إلى الصيد ، وقال ابن عباس: نتناضل ، أى نتعلم التضارب بالسيوف ، فالمعنى يتعاطى كل منا أن نتسابق ، وقيل: خبر ذهب إلى أنه بمعنى شرع ، فعمل ككان ، ونستبق نفتعل بمعنى نتفاعل كارتموا تراموا .
{ وتَرَكْنا يُوسفَ عنْدَ متَاعِنا } ثيابنا وما أتينا به من يفوت الآخر بالضرب: وقال الزجاج: ترامى فالمعنى يتعاطى كل أن يسبق الآخر بحسن الرمى ، أو أن تبعد رمية عن رمية الآخر ، وعلى الأول فالذهاب أول الاستباق من عند يوسف ، وعلى غيره ذهبوا إلى موضع غير الذى فيه يوسف والجملة حال مقدرة على تلك الأقوال من فاعل ذهب البلد من نحو طعام .
{ فأكلَه الذِّئبُ } بفغلتنا عنه بالاستباق { ومَا أنتَ بؤمنٍ لنَا } بمصدق لنا في ذلك { ولَو كنَّا صادِقينَ } فيه ، أو لو كنا صادقين عندك في الجملة قبل هذا ، أو لو كنا موصوفين بالصدق لشدة محبتك ليوسف وسوء ظنك بنا .