فهرس الكتاب

الصفحة 2365 من 7680

{ وما كانَ اللهُ ليعذِّبهمْ } هذه اللام مؤكدة للنفى قبلها ، ودالة على أن هذا العذاب استئصال ، قال أبو زيد: سمعت من العرب من يقول: ما كان الله ليعذبهم بفتح اللام وهى لغة غير معروفة ولا مستعملة في القرآن { وأنْتَ فيهِم } إذ من عادة أمر الله وحكمته أن لا يعذب قوما عذاب استئصال ونبيهم أو مؤمنوهم بين أظهرهم على ما مر ، وفى ذلك تنبيه على أنهم أحقاء بعذاب الاستئصال لو لم يكن فيهم ، وهذا وما بعده إلى آخر الآية نزل بمكة ، وقيل: بالمدينة بعد وقعة بدر حكاية لما مضى ، وقيل: نزل هذا بمكة إثر قولهم: { أو ائتنا بعذاب أليم } ونزل قوله:

{ وما كانَ اللهُ مُعذِّبهم وهُم يسْتغفِرُونَ } فى طريقه إلى المدينة عند الهجرة ، فهى مدينة ، فإن المدنى ما نزل بعد الهجرة في أى مكان ، والمكى ما نزل قبلها كذلك ، وهذه إشارة إلى أن سبب إمهالهم ، وعدم إجابة دعائهم على أنفسهم بإمطار الحجارة ، أو بعذاب غيره هو استغفار لهم ، ولولاه ما أثبت النبى A فيهم ، بل يخرجه فيعذبهم ، وكانوا يقولون: غفرانك اللهم ، وكانوا يقولون بعد الفراغ من الطواف: غفرانك غفرانك ، ويقولون: لبيك لا شريك لك ، وقيل لما أمسوا ندموا على قولهم: { اللهم إن كان هذا هو الحق } فقالوا: غفرانك اللهم .

وقال الضحاك: المستغفرون هم بقية المؤمنين فيهم بعد خروجه ، حكم عليهم بالاستغفار ، لأن فيهم من يستغفروهم بقية المؤمنين المستضعفة ، وأن ذلك نزل في مكة ، وقيل عن الضحاك ، وابن عباس ، وأبى مالك: إن الضمير في قوله: { وهم يستغفرون } لهؤلاء المؤمنين الباقين بمكة ، دليل ضعيف بالسياق السابق واللاحق ، وبوجود الاستغفار من الكفر ، وذكر أيضا عن ابن عباس ما ذكرته أولا ، وذكر عنه ، وعن مجاهد ما كان الله ليستأصلهم بالعذاب ، وفيهم من سيسلم فيستغفر .

فهذا الاستغفار من لوازم الإسلام ومسبباته ، حتى أن بعضا فسر هذا الاستغفار بالإسلام ، وفسره بعضهم بالصلاة ، فلوجود من سيسلم فيهم حكم عليهم بالاستغفار من باب الحكم على المجموع ، وبه قال الزجاج ، وفيهم أبو سفيان ، وصفوان بن أمية ، وعكرمة بن أبى جهل ، وسهيل بن عمرو ، وحكيم بن حزام ، وعن مجاهد: المستغفرون ذرية بعضهم ، ونسب الاستغفار إليهم ، لأن ذريتهم منهم ، وعنه وعن عكرمة مولى ابن عباس ، وعن قتادة لا أعذبهم وهم مستغفرون ، أما إذا كانوا غير مستغفرين فسأعذبهم لأنهم غير مؤمنين ، فضلا عن أن يستغفروا وهو قريب من قول بعضهم: إن ذلك جلب لهم إلى الإيمان ، أى أطيعوا حتى لا أعذبكم ، كقولك لعبدك: لا أعذبك وأنت تطيعنى ، تريد منه أن يطيعك فينجو من عذابك ، ويحتمله قوله تعالى: { وما كان ربك مهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون . } وعلى كل حال فجملة { وهم يستغفرون } حال ، وهى حال مقدرة على القول بأن المعنى سيسلم بعضهم ، و القول بأن المعنى تستخرج منهم ذرية مسلمة ، وفى الحديث عن ابن عباس ، وأبى موسى الأشعرى: « أن الله أنزل علىَّ أمانين لأمتى: { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون } فإذا مضيت تركت فيهم الاستغفار إلى يوم القيامة » قيل: ما من أمة فيها خمسة عشر رجلا من المسلمين يستغفرون إلا رحم الله تلك الأمة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت