{ فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ } الذنب بكى على خطيئته قيل: ثلاثين سنة لا يرقى دمعه ليلًا ولا نهارًا وقيل أصاب الخطيئة وهو ابن سبعين سنة .
قال وهب بن منبه: قسم الدهر بعدها يومًا للقضاء ويومًا لنسائه ويومًا تسبيح في الجبال والفيافي والساحل ويومًا يخلو في دار له فيها أربعة آلاف محراب فيجتمع إليه الرهبان فينوح معهم على نفسه ويساعدونه على ذلك وإذا كان يوم سياحته يخرج إلى الفيافي ويرفع صوته بالمزامير فيبكي ويبكي الشجر والرمال والطير والوحوش حتى يسيل من دموعه ودموع الطير والوحوش مثل الأنهار ثم يجيء الى الجبال ويرفع صوته ويبكي فتبكي معه الجبال والحجارة فيرفع صوته ويبكي فتبكي معه الحيتان ودواب البحر وطير الماء فإذا أمسى رجع وإذا كان يوم نوحه على نفسه نادى مناديه أن اليوم يوم نوح داود على نفسه فليحضر من يساعده ويدخل الدار التى فيها المحاريب فيبسط فيها ثلاثة فرش من مسوح حشوها ليف فيجلس عليها ويجيء أربعة آلاف راهب عليهم البرانيس وفى أيديهم العصي فيجلسون في تلك المحاريب ثم يرفع داود صوته بالبكاء والنوح على نفسه ويرفع الرهبان معه أصواتهم فما يزال يبكي حتى يغرق الفرش في دموعه ويقع داود فيها مثل الفرخ يضطرب فيجيء ابنه سليمان فيحمله ويأخذ داود من تلك الدموع بكفيه ويمسح بها وجهه ويقول يا رب اغفر لي فلو عدل بكاء داود بكاء أهل الدنيا لعدله وقيل: ان الوحوش والطير كانت تسمع إلى قراءته فلما فعل ما فعل كانت لا تصغى إليها وقالت يا داود ذهبت خطيئتك بحلاوة صوتك .
وعنه A: « إنما مثل عيني داود مثل القربتين تنطفان ولقد خدد الدموع في وجه داود خديد الماء في الأرض » قالوا: لما تاب الله عليه قال يا رب غفرت لي أفعل حتى لا أنسى خطيئتي فاستغفر لي وللخاطئين إلى يوم القيامة فوسم الله خطيئته في يده اليمنى فما رفع طعامًا ولا شرابًا إلا بكى إذا رآها ولا قام خطيبًا في الناس إلا وبسط راحته فاستقبل بها الناس ليروا وسم خطيئته وكان يستغفر للخطائين قبل نفسه أى لأنه قد غفر له .
وعن الحسن كان بعد الخطيئة لا يجال إلا الخاطئين يقول تعالوا إلى داود الخاطئ ولا يشرب شرابًا إلا مزجه بدموعه وكان يجعل خبز الشعير اليابس في قصعته فلا يزال يبكى عليه حتى يبتل بالدموع ويذر عليه الملح والرماد فيأكل ويقول هذا أكل الخاطئين قال وكان قبل الخطيئة يقوم نصف الليل ويصوم نصف الدهر وبعدها يصوم الدهر كله ويقوم الليل كله .
قال ثابت: كان إذا ذكر عقاب الله تخلعت أوصاله وإذا ذكر رحمة ربه تراجعت { وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا } يوم القيامة بعد المغفرة { لَزُلْفَى } أي لقربى { وَحُسْنَ مَآبٍ } أي مرجع ومنقلب في الجنة وقلنا: