بسم الله الرحمن الرحيم
{ الحمدُ للهِ الَّذى خَلَق السَّموات والأرضَ } إخبار بأن الله جل جلاله هو أهل الحمد ، فإذا كان إهلاله وجب حمده ، فهو مقيد للأمر من هذه الجهة ، وقيل: اللفظ إخبار ، والمعنى أمر ، أى احمدوا الله ، أو قالوا: « الحمد لله » ولو قال: احمدوا الله لم يفد الدوام والثبوت ، ولم يفد تعليل صفة الحمد ، وعلل الحمد بخلق السموات والأرض ، لأن فيهن منافع الدنيا والآخرة لنا ، ولكونهن منافع وعبرًا ، وأعظم ما ترى من الأجسام خصَّهن بالذكر ، فهو حقيق بالحمد لخلقه هذه المنافع والأجسام العظام ، حمد أو لم يحمد ، فهو حجة على الذين كفروا وعدلوا بربهم ، وجمع السماء دون الأرض ، مع أن الأرض أيضًا أرضون ، لأن طبقات السموات مختلفات ، بعضها موج ، وبعضها فضة ، وهكذا . . . ومتفاوتات الآثار والحركات والأرضين كلهن تراب وحجر ، ساكنات لا تفاوت فيهن بحركة أو أثر .
وقدم السموات لشرفهن بالملائكة وبالعبادات الدائمة والخلو عن المعاصى ، وبالنيرات ، وعلوّ مكانهن وتقدم وجودها كذا قيل إنه تقدم وجودها ، وذلك تفضيل يظهر للحسن ، وأما باعتبار أن رسول الله صلى الله وسلم خلق من الأرض ، فهذه الأرض أفضل ، وذلك الحمد شكر أيضًا لتعلقه بالمنافع ، وإنما جعلت قوله: { الذى خلق } تعليلا وتعليقًا ، لأن الموصول وصلته كالوصف ، وتعليق الحكم بالوصف يؤذن بعليته .
وحكى الفخر عن سيبويه أنهُ لا يقال: الحمد بالتعريف إلا في الله ، لأنه يدل على التعظيم ، وعن أنس قال: قال رسول الله A: « ما من شئ أحب إلى الله من الحمد » وقالوا: أبلغ الحمد الحمد لله على كل حال ، وما من نعمة عظمت إلا والحمد لله أعظم منها ، والمراد خلق السموات والأرض وما فيهما وغير ذلك ، قال A: « أذن لى أن أحدث عن ملك من حملة العرش ، رجلاه في الأرض السفلى ، وقرناه على العرش ، ما بين شحمة أذنه وعاتقه خفقان الطير مسيرة مائة عام ، وهو يقول: سبحان الله ، وهو اسمه روقيل »
{ وجَعَل الظُّلمات والنُّور } : جعل بمعنى أنشأ ، ولذلك تعدى لواحد ، والفرق بين الجعل الذى بمعنى أنشأ الخلق ، وأن الخلق فيه معنى التقدير ، والجعل فيه معنى التضمين ، قال السعد في حاشية الكشاف: معنى التضمين جعل شئ في ضمن شئ ، بأن يحصل منه أو يصير إياه ، أو ينتقل منه إليه ، وذلك أن النور والظلمة لا يقومان بأنفسهما كما زعمت الثنوية وهم مجوس ، وخلق الظلمة إلى هرمز وهو الشيطان ، وبنوا على ذلك أن الله خلق الخير ، والشيطان خلق الشر .
زعمت المنانية منهم أن النور والظلمة حيان فعالان درا كان حساسان ، وما زالا مفترقين حتى بغت الظلمة على النور فمازجته ، فعند ذلك تكونت الأشياء من امتزاجهما ، فكل ما حدث من نور وخير وعلم وبر ، فهو من الأصل النورى ، وكل ما يحدث من ظلمة وشر وجهل وفجور ، وكل شئ قبيح ، فهو من الأصل الظلمى ، ورد عليهما أن افتراقهما قبل الممازجة إن كان لطبيعة فلا يتمازجان بعد ، لأن الطبيعة تلزم ، وإن كان اختيارًا فلعلهما قد امتزجا قبل هذا الافتراق الذى أثبتم ، ومن أين لكم أنهما لم يمتزجا قبل ، ويرد عليهما أيضا أنهما لم يزل بصفة كذا لا يزول عنها ، فإذا قلتم ، لم يزالا مفترقين فكيف يزول الافتراق؟ فإن ما لا أول لهُ لا يزول ، وأيضا إن لم يحدث عن ممازجتهما شئ فلعلهما لم يفترقا ، وإن حدث بها نور أو ظلمة لزم حدوث النور كله أو الظلمة كلها ، لأن الشاهد يدل على الغائب ، والقليل على الكثير ، والكثير على القليل ، وأنتم قلتم لم يزالا قديمين ، وإن حدث شئ غير نور ولا ظلمة بطل قولهم إذا ثبتوا ثالثًا ، وأيضا إن كان الامتزاج لتحركها إلى النور حتى مازجته فالتحرك أماله ابتداء فقبله سكون طبعى لها فلا تتحرك ، أو سكون غير طبعى كتحرك غير طبعى ، فلزم الاختيار وأقروا بالحادث وأما ما لتحريكها ابتداء فكيف تصل النور والمسافة بينهما لا تتناها؟
وأيضا من أين لهم امتزجا ثم افترقا ، ولا يمتزجان أبدًا ، ولعلهما يمتزجان ويفترقان ألف مرة فأكثر ، وأى شاهد لهم على ذلك .