فهرس الكتاب

الصفحة 2785 من 7680

{ قَالَ } أبوهم بعد ذلك { بَل سوَّلت } زينت وسهلت { لكُم أنفسُهم أمرًا } فعملتموه كيدا لأخيكم ، وإلا فمن أعلم الملك أن السارق يستعبد بسرقته لولا فتواكم وتعليمكم ، اتهمهم لما سبق منهم في أمر يوسف .

وإن قلت: إذا كان استرقاق السارق حكما شرعيًّا فكيف ينكر عليهم تعليم الملك إياه؟

قلت: لم ينكر عليهم التعليم ، وإنما أراد أن الملك لا يعلم هذا الحكم ، وإنما علمتم أنتم لأمر جائز يتوصلون إليه ، أو أنكره عليهم ، لأن هذا حكم من سرق من مصر ، وهذا على أنه لا يعلم أن ملك مصر مؤمن ، وقيل: بل زينت لكم أنفسكم أمرا هو حمل أخيكم إلى مصر ، لطلب نفع عاجل هو حمل البعير المزاد فآل أمركم إلى ما آل ، وقيل: بل خيلت لكم أنه سرق وما سرق .

{ فصبرٌ جميلٌ عَسَى الله أن يأتينى بهِم جَميعا } أبى بالثلاثة أو الأربعة الباقين ، لما اشتد بلاؤه أخذ ينادى: من يريد الفرج وأحسن الظن بالله سبحانه ، طمع أيضا بدعاء الملائكة أن يجمع الله بينه وبين أولاده كما مر .

قال شاعر:

وكلُّ الحادثات إذا تناهت ... يكون وراءَا فرجٌ قريب ... وقال آخر:

إذا تضايق أمر فانتظر فرجًا ... وأضيق الأمر أدناه إلى الفرج ... وقال آخر:

فلا تجز عنَّ إن أظلم الدهر مرة ... فإن اتعكار الليل يؤذن بالفجر ... فملا جرى عليهم وعلى بنيه من أول الأمر إلى ذلك الوقت من الرؤيا وكيد الإخوة ، علم ان الأمر قد تناهى ، فقال: { عسى الله أن يأتينى بهم جميعا } .

{ إنَّه هُو العَليمُ } بخلقه وأحوالهم ، ومنها حزنى عليهم وحالهم { الَحكيمُ } فى صنعه فما أبلانى بذلك إلا لحكمة .

وقيل: إنه لما فقد يوسف قال: { بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون } فتعلق بالصبر فأنساه الشيطان حسن الظن بربه فزيد كربه بفراق بنيامين ، فصبر وتذكر حسن الظن ، عسى الله أن يأتينى بهم جميعا ، فأتاه الله بهم جميعا أعنى جمع بينه وبينهم .

وروى أنهم لم يقولوا له إن ابنك سرق الصواع ، بل قالوا إن ابنك سرق ، فقال: وما سرق؟ فقالوا: سرق صواع الملك ، استخرج من رحله ، فحبسه الملك ، وأردنا مقاتلته إذا به أشد منا ، ونجانا الله ببركته دعائك ، فبكى يعقوب وزينة وعيال أبنائه وأهل خاصته ، وقامت عندهم صيحة لحبس بنيامين ، ولفقد يهودا وشمعون على ما مر ، وليس مرادى بإنساء الشيطان يعقوب حسن الظن بالله ستحانه وتعالى أنه أساء الظن به تعالى ، بل ذهل وغفل عن تقوية الرجاء .

قال قتادة: إن نبى الله يعقوب ما ساء ظنه بالله تعالى في طول بكائه ساعة قط ، من ليل أو نهار ، قيل: نزل ملك الموت على يعقوب عليه السلام فقال: جئتَ لقبض روحى قبل أن أرى أولادى؟ قال: بل جئت زائرا ، قال: أقسمت عليك بربك ، هل قبضت روح يوسف في الأرواح؟ قال: بل هو حى سوى ، وهو ملك مصر ، وله الخزائن والجنود والعبيد ، وعن قريب إن شاء الله تعالى ترأه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت