{ استغفر لهم أو لا تستغفر } أى استوى الأمران ، فإن الاستغفار لهم لا ينفعهم كما قال: { إنْ تَسْتغفِر لَهم سَبْعين مَرَّةً فَلَن يغْفِر الله لَهم } وليس السبعون حدا إن جاوزه في الاستغفار رجئت المغفرة ، بل تمثيل للكثرة ، فإن المراد أنه لا يغفر لهم ولو استغفر لهم عدد التراب ، بدليل وصفهم بالكفر بعد هذا ، وهو مانع من الغفران ، وبدليل: { استغفر لهم أو لا تستغفر لهم } وخص السبعين لأن العرب تستكثرها ، وقد كبر رسول الله A على عمه حمزة رضى الله عنه سبعين تكبيرة ، وشاع استعمال السبعة والسبعين ، والسبعمائة ونحوها في التكثير ، لأن السبعة تشتمل على جملة أقسام العدد ، وهى آحاد وعشرات ومئون وآحاد ألف وعشرات ألوف ومئات ألوف وآحاد ألوف ألوف ، فكأنها العدد .
وقد كثرت السباعيات: كالسموات ، والأرضين ، والأيام ، والأقاليم ، والبحار ، والنجوم السيارة ، وأبواب النار ، والأعضاء ، وأصحاب العقبة في منى ، ومختارى موسى ، أو خلق الإنسان ورزقه ، فإن صح عن رسول الله A أنه استغفر لهم بعد نزول هذه الآية ، وقال له عمر: أتستغفر يا رسول الله للمنافقين وقد أعلمك الله أنه لا يغفر لهم؟ فقال له: « يا عمر إن الله خيرنى فاخترت ولأستغفرن لهم ما لم أنه » وأنه قال: « لأزيدن على السبعين وقد رخص لى ربى مع تلك الدلائل على المنع وعدم الغفران » فوجهه أنه حمل السبعين على العدد المخصوص ، لأنه الأصل ، فجوز أن يكون حدا ، وإنما فوقه نافع فمال إلى هذا الاحتمال لما فيه من الرحمة ، وأيضا قوله: « لأزيدن على السبعين » يحتمل فيما قيل أن يكون إظهارًا لغاية رحمته ، كقول إبراهيم: { ومن عصانى فإنك غفور رحيم } تعليما لنا أن نتراحم .
وذكر بعض أنه قال: « لو علمت أنى إذا زدت على السبعين يغفر لهم لزدت » وقد يستدل بذلك على أن هؤلاء المنافقين ونحوهم في عصره A غير مشركين ، وإلا لم يستغفر لهم كذا قيل ، وقد يبحث فيه على طريق مذهب القائل وهو منا بأنه أيضا لا يستغفر لهم إذا كانوا منافقين بمعنى ذوى كبائر غير شرك ، والظاهر أنه أسروا ما هو شرك ، وربما نطقوا به كقولهم: إنما القرآن كلامه لا كلام الله ، وليس النفاق مختصا في عصره بمن يفعل كبائر غير شرك كما قال جمهور أصحابنا وشدّدوا على من قال بخلافه ، ولا بمن أسر شركا كما زعم المخالفون ، بل يوجد الفريقان ، وأولى ما يتخرج عليه في استغفاره أنه يأخذ بظاهر قولهم: إنا لم نفعل ، وإنا تبنا مالم ينزل النص على النهى ، أو على تعيين شقاوة أحد ، ثم إنه لا مانع من أن يقال: إن استغفاره لأهل الكبائر غير الشرك من خصوصياته A ، وقد نهاه عن الاستغفار للمشركين ، إذ قال: { ما كان للنبى والذين آمنوا } الآية .
{ ذلِكَ } المذكور من انتفاء المغفرة { بأنَّهم كَفرُوا بالله ورَسُولهِ } أى بسبب كفرهم الصارف عنها ، لا لبخل منَّا ، ولا لقصور في استغفارك ، ووصفهم بأنهم كفروا بالله ورسوله ظاهر في أنهم أسرُّوا الشرك ، إذ لا يقال لذى الكبيرة: كفر بالله ورسوله ، وإذا قلنا: إنهم مشركون ففى الوعيد على اللمز والسخرية الواقعين منهم دلالة على أن المشركين مخاطبون بفروع الشريعة .
{ واللهُ لا يَهْدى القَوْم الفاسِقينَ } المصرِّين على الفسق ولا مغفرة للمصر .