{ قالَ } يوسف { لِفِتْيانه } جمع فتى على الصحيح وهو خلاف القياس ، وقيل اسم جمع ، وقرأ حمزة والكسائى وحفص لفتيانه ليوافق قوله: { في رحالهم } فى أن كسلا جمع كثرة ، والكثرة مراده ، لإإن الرجال عشرة أو أحد عشر ، ووكل بكل رجل فتى يعبئ له بضاعة ، بخلاف الفتية ، فإنه جمع قلة ففتية كإخوة ، وفتيان كإخوان على قراءة الجمهور فالمراد الكثرة أيضا ، والمراد بالفتيان غلمانه الكيالون ، أو وأتباعه الذين استعملهم في الكيل .
{ اجْعَلوا بضَاعتَهم } الإضافة للجنس ، فالإفراد كالجمع أو إفراد لأن الكيل بضاعة واحدة ، فرقت ما أتوا به للبيع وهو دراهم أتوا بها ليشتروا بها الطعام ، وقيل: ذهب وفضة ، وعن ابن عباس: نعال وأدم واقتصر عليه في عرائس القرآن .
{ في رحَالهم } جمع رحل وهو الوعاء الذى يحمل فيه الطعام أو غير { لَعلَّهم يعْرفونَها } أى يعرفون لها يدا وتكرمة ، أى يعرفون حقها وضمير النصب للبضاعة { إذ انْقلبُوا } متعلق بيعرف أى وصلوا { إلى أهلهِم } وبلغوهم بأن يقيموا أوعيتهم فيجدوا فيها البضاعة ، ولعل للترجى ، ويجوز أن يتكون للتعليل ، أى لكى يعرفوا أنها بضاعتهم ردت إليهم .
{ لعلَّهم يرْجعُون } ترجع أو تعليل ، والجملة بدل اشتمال من قوله: { لعلهم يعرفونها } فتحصل أن الجعل في الرحال سببه إرادةالرجوع ، أو لعل هذه ترج بالنسبة إلى المعرفة ، أى لعل معرفتهم بها تدعوهم إلى الرجوع ، وذلك أنهم إذا رأوها في رحالهم في الرجوع لهذا الذى يعطى الطعام في وقت غلائه بلا قيمة .
وقال الكلبى: تخوف أن لا يكون عند أبيه من البضاعة ما يرجعون به مرة أخرى ، سواء يريدون شراء الطعام مرة أخرى وهو الأليق بتلك السنينن أم لم يوردوا إذ لا يحسن رجوعهم بلا شئ ، وقيل لا يرى أخذ الثمن من أبيه وإخوته لوما ، ولا سيما في حال الشدة فتركها عونا لهم على شدة الزمان ، وقيل: أراد أن يحسن إليهم سرا ، حتى لا يلحقهم ذل وخضوع في ذلك ، ولا يطمع كل من سمع بذلك في مثله ، وقيلك لأنه علم أن ديانتهم تحملهم على الرجوع بها ، بأن يرجع كل منهم بما وجد في رحله مخافة أن يكون قد ذهل عنه ، فلم يأخذه ، أو تحرجا من طعام بلا ثمن فيتحصل غرضه من رجوعهم .
وقد قيل: معنى { لعلهم يرجعون } لعلهم يردونهان فالأصل لعلهم يرجعون بها ، ولا يضيف هذا بسرورهم بها حيث وجدوها في رحالهم ، لأنه ظن أن يتحرجوا ويردوها ، وما ظنهم يغنمونها ، ولو لم يجعلها في لحالهم لأمكنهم أن لا يرجعوا فيتعذروا بالفقر ، وقلة ذات اليد فيما قيل ، وقيل: جعلها في رحالهم توطئة لجعل السقاية في رحل أخيه ، ولما رادوا المسير أمرهم بالدخول عليه ، وأقبل عليهم بكليته ، وأمر ترجمانه فقال: إن الملك قد فعل بكم فعلا جميلا ، وأولاكم طولا جليلا ، وأنه يودعكم ويقول لكم: أبلغوا سلامى إلى أبيكم وقولوا له: إنى سمعت همه غمه ، وإنى قائل له: عليك بالصبر الجميل ، فإن النصر مع الصبر ، واليسر مع العسر ، والله لطيف بعباده .