{ فَشَروهُ } أى فشرته السيارة ، وإنما أسند الشراء إليهم لأن مالك بن ذعر فيهم ومنهم: وقد اشتراه ، وشروه بمعنى اشتروه ، وقيل: الضمير لإخوة يوسف ، والشراء بمعنى البيع أى فباعوه .
وروى أن إخوة يوسف كانوا ينظرون في الجب فنظروا يوما على عادتهم فلم يروه فأحاطوا بالسيارة وقالوا: هرب عبدن فأخبرنا أنه دخل في الجب وقد أخرجتموه ، فأخرجوه من بين أمتعتكم وإلا صحنا بكم صيحة واحدة ، لا تبقى أرواحكم في أجسامكم ، فأخروه من بين الأمتعة يهتز كالورقة في الشجرة ، فدنا منه يهودا وقال له: إن أقررت لهم بالعبودية نجوت ، قال: ما أنا إلا عبد .
وقيل: كان إخوة يوسف قريبا منه حين أخرجوه من الجب فجاءوهم فقالوا: عبد لنا أبق ، فقال مالك: اشتريه ، قالوا: بعناه لك بعيوبة ، فقال بكم؟ ويوسف ينظر إيه وإليهم ، وقال في نفسه ما أظنه يقوم بثمنى ، لأنهم يطلبون مالا كثيرا . فقال لهم: معى دراهم قليلة معدودة ، فشراه كما قال الله سبحانه وتعالى:
{ بثمنٍ بخْسٍ } البخس النقص الظاهر وهو مصدر ، وصف به مبالغة أو يأوّل بباخس ، أو يقدر مضاف أى ذى بخس ، والمراد النقص عن القيمة بالكمية ، أو بكونه غير صافى الفضة ، بل خلط فيها نحو نحاس ، أو بنقصان الوزن ، وقال الحسن ، ومقاتل ، والضحاك ، والسدى: أراد بالبخس الحرام ، لأنه ثمن الحرام ، ويسمى الحرام بخسا لأنه ناقص البركة ، وعن ابن عباس ، وابن مسعود: زيوف ، وأراد بالزيوف المخلوط فيها نحو نحاس ، وقيل: أراد نقص الوزن ، وعن عكرمة ، والشعبى: البخس القليل كما مر أولا ، وقال قتادة: البخس الظلم نقصان الحق .
{ دَرَاهم } بدل أو بيان الثمن { مَعْدُودةٍ } قال ابن عباس رضى الله عنهما: كان سبعة عشر درهما ، وقال ابن مسعود ، وقتادة: عشرين ، وهو رواية عن ابن عباس ، فاتقتسموها دريهمين درهمين وهم عشرةن وعن مجاهد ، والسدى: اثنين وعشرين اقتسموها درهمين درهمين ، أخذ أخوه من أبيه وأمه درهمين إذ هم به أحد عشر كذا قيل ، وليس كذلك ، لأن أخاه لأبيه وأمه لم يحضر لذلك ، وكان يعقوب تسلى به ، ولم يخرج معهم أيضا يوم ألقوه في الجب ، ولعله خرج يوم بيعة ولم يحضر البيع ، ولم يعلم به .
وعلى كل قول من تلك الأقوال: فالوصف بالمعدودية إشارة إلى القلة ، وكانوا في ذلك الزمان لا يزنون أقل من أربعين درهما ، بل يأخذونها عددا ، ويأخذون الأربعين فما فوق بالوزن ، وتسمى الأربعون درهما وقية ، انتهى .
وقال في عرائس القرآن ، عن ابن مسعود ، وابن عباس ، وقتادة ، والسدى ، وعكرمة: أربعين درهما ، ثم قال مالك بن ذعر: اكتبوا لى كتابا بأيديكم أنكم بعتم لى غلامكم بكذا وكذا ، فكتبوا له ، وجعل الكتاب يجيبه ، فلما أرادوالرحيل قالو: اربطه بحبل شديد لكيلا يهرب ، فلما همَّ بذلك قال له يوسف: لى إليك حاجة ، قال: وما هى؟ قال: تخلبنى أودع سادتى فلعلى لا ألقاهم بعد ، فقال له مالك: ما أكرمك من مملوك عجيب تتقرب منهم وهم فعلوا بك ما فعلوا ، فقال: كل أحد يفعل ما يليق بهن فقصد نحوهم وهم قيام صفا واحدان فلما دنا منهم بكرا وبكى يوسف ، ثم عانقهم واحدا واحدا ويقول: يا إخرتى حفظكم الله وإن لم تحفظونى ، آواكم الله وإن طردتمونى ، رحمكم الله وإن لم ترحمونى .