قيل: ألقت الحوامل في بطونها من هول ذلك التوديع ثم قالوا: يا يوسف ندمنا على ما فعلنا ، ولولا خشيتنا من أبينا واستحيائنا منه لرددناك ، ولما رجع إلى مالك شديده ، وسلمه إلى فليج عبد له أسود وقال له: عينك عليه ألا يهرب . فقال فليج: يا سيدى رجعت إلى الشام مائة مرة في خمسين سنة لأجله ، ثم تعفل به هذا الفعل ، وإنى أراه ضعيفا نحيفا ، قال: نعم ، وأنا أيضا متفكر فيه ، لأن المعبر وصفه لى بوصف تحير فيه العقول ، اشتريته بشعيرة منذهب ، أى بقيمتها دراهم ، وهو [ أى يوسف ] يساوى دنانير ، ويوسف يسمع ويضحك لعلمه أنه مستور على العيون .
وقد زعم من زعم أن ما رآه على صورته إلا يعقوب ، وذهب بصره عليه ، وزليخا وذهبت صحتها عليه ، وأبو يحيى ذهب ماله عليه ، ولما انتصف النهار ، بلغ يوسف إلى قبر أمه وطرح نفسه عليه ، وبكى وسمع أتينا من القبر وهو يقول: وا ولداه ، واقرة عيناه ، وا ثمرة فؤاداه ، فخر مغشيا عليه ، ثم إن الأسود طلبه ولم يجدهن فصاح لسيده: هرب الغللام ، قل للسيارة يفقوا فرجع الأسود فلما رآه لطمه وجره برجله على وجهه ، ويوسف يقول: يا رب إن أتيت بزلة فاعف عنى بحق آبائى فإنهم ما عصوك ، فظهرت غمامة سوداء على رءوسهم فأمطر بَرَدًا ، البردة كبيضة النعامة .
فلما أيقنوا بالهلاك قال لهم مالك: إن كان فيكم مذنب فليتب قبل الهلاك ، قال الأسود: أنا المذنب ، قال: وكيف؟ قال: فعلت بالغلام العبرانى كذا وكذا . فحرك شفتيه وتكلم بكلمتين ، فعند ذلك ظهرت هذه الغمامة ، فجاءه مالك وتضرع إليه ، وقال: يا غلام أظن بينك وبين إله السماء قربة؟ قال: نعمن قال: فارحمنا ولا تؤاخذنا بأفعالنا ، ونحن تائبون ، فتكلم بكلمتين وهو يتبسم فانقشعت الغمامة ، وذهب البرد ، فظهرت الشمس بقدرة الله تعالى ، فقال مالك: عرفت جاهك عند الله تعالى ، فلا يجوز لى أن أتركك على هذه الحالة ، فأزال عنه القيد ، وألبسه الحرير زينه الذهب ، وقال للقافلة: قدموه أمامكم ولا تستقدموه .
فلما دخلوا مدينة نابلس ، وكان أهلها يعبدون الأصنام ، فلما رأوه قالوا: من خلقك؟ قال: الله تعالى . قالوا: آمنا بالذى خلقك ، وكسروا الأصنام ، واشتغلوا بعبادة الرحمن ، ولما دخلوا مدينة بيسان ، وكان أهلها مؤمنين اجتمعو إليه واتخذوا أصناما على صورته ، وعبدوها ألف سنة .