فهرس الكتاب

الصفحة 1958 من 7680

{ ألم تَروْا كَم أهْلَكْنا قَبْلهم مِنْ قَرنٍ } القرن أهل عصر فيه نبى أو فائق في العلم كان العصر قليلا أو كثيرًا ، فالقرن أهل ذلك العصر لا نفس العصر ، وهو مأخوذ من قرنت الشئ بالشئ ، فأهل العصر اقترنوا بعض ببعض لاحتواء الزمان عليهم ، أو اقترنوا زمانهم ، أو بأمة قبلهم وبعدهم إذ تعاقبوا ، وقيل: القرن عشرة أعوام ، وقيل عشرون ، فهكذا العقود كلها أقوال إلى مائة ، وقيل: مائة وعشرون ، وأطلت الكلام على ذلك في شرح المخمس لأبى نصر رحمهُ الله ، وعلل القول بأنهُ سبعون عامًا لأنها أغلب أعمار الناس ، والقول بأنه مائة بأن رسول الله A قال لبعض الصحابة: « تعيش قرنًا » فعاش مائة سنة ، وهو عبدالله بن بشر المازنى ، وصحح هذا .

والقرن في هذه الأقوال نفس الزمان ، فيقدر مضاف ، أى من أهل قرن ، أو سماهم باسم زمانهم ، سمى الزمان قرنًا لاقترانه بزمان قبله ، وزمان بعده ، أو بأهله ، والقرون المهلكة كقوم نوح ، وقوم عاد ، وثمود ، وكم للتكثير خبرية مفعول مقدم لأهلكنا ، ومن قرن بيان لكم نعت لها ، وجملة أهلكنا مفعول ليروا ، سوغ تسلطه على الجملة تعليقه عن نصب مفردين ، أو مفرد وجملة بالاستفهام وذلك المفعول قائم مقام المفعولين ، إذ الرؤية علمية ، ويجوز أن يكون بصرية لأنها تعلق أيضا ، ومعنى رؤيتهم أنهم أبصروا مساكين المهلكين ، والعلمية أولى .

{ مَكَّنَّاهُم في الأرضِ مَا لَم نُمكِّن لَكُم } ثبتناهم في الأرض تثبيتًا لم نثبته لكم ، أو ثبتناهم في الأرض التثبيت الذى لم نثبته لكم ، فالتمكين الأول بمعنى التثبيت المتعدى لمفعول غير المفعول المطلق ، وللمفعول المطلق الذى هو ما الموصولة ، أو الموصوفة الواقعة على التمكين بمعنى ، والثانى متعد إلى مفعول هو ضمير المصدر محذوف على أنه مفعول به رابط الصلة ، أو الفة ، بمنزلة قولك: مكناهم تمكينًا لم نوقعه لكم ، أو التمكين الذى لم نوقعه لكم ، ولا يصح رد جعلها موصولة بأنها لا نقع نعتًا للمعونة ، لأنا إذا جعلناها موصولة لم نجعلها نعتًا للمعرفة ، بل نقول: هى واقعة على التمكين ، وهذا كما تقول في جاء الذى قام إن الذى واقع على الرجل ، وإنما نجعل التمكين منعوتًا إذا عبرنا بالذى ، وذلك من مكن شئ فهو مكين أى متين وقوى .

ويجوز أن يكون مكنَّاهم بمعنى أعطيناهم ، فما مفعول به ثان واقعة على القوى ، والجسمية والأموال والآلات والعدد والعدة أعطيناهم من ذلك ما لم نعطكم ، وعدى نمكن لا ثانى لواحد محذوف ، أى نمكنه وضمن معنى ندفع ، فعدى الآخر باللام أى ما لم ندفعه لكم .

{ وأرْسَلنا السَّماء عَليْهِم مِدْرارًا } السماء بمعنى المطر ، سمى سماء لأنه يجئ من جهة السماء ، أو لأنه كان الماء قبل إرساله غالبًا مضلا ، وكل عال مفضل من فوق يسمى سماء ، أو السماء لمعنى السحاب على حذف مضاف ، أى ماء السحاب ، أو السماء لمعنى السماء الدنيا ، أو لمعنى الفلك المحيط ، فإن الماء ينزل من السماء ، أو من الفلك إلى الأرض ، فيقدر مضاف أيضا ، أى ماء السماء أو ماء الفلك ، ونزل نزول بكثرة بنزول السحاب نفسه ، أو السماء نفسها ، أو الفلك نفسه على طريق العرب في المبالغة ، ومدرارًا متتابعًا بكثرة حال ، والسماء صفة مبالغة من الدر بمعنى التتابع ، وذلك من در اللبن درورًا هو دار ، أى كثر ورده على الحالب ، والخطاب في لكم لمشركى قريش على طريق الالتفات من الغيبة إلى الخطاب ، والغيبة في عليهم لهم أيضا على طريق الالتفات من الخطاب إلى الغيبة ، هذا ما ظهر ، وقيل: الخطاب للمؤمنين ، وقيل: لهم وللناس المعاصرين لهم من أى جنس .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت