{ لَّكِنِ الرَّاسِخُونَ } : مبتدأ خبره جملة يؤمنون بعده .
{ فِى العِلْمِ مِنْهُمْ } : كعبد الله بن سلام وأصحابه ، دلت الآية أن الرسوخ في العلم انما هو العمل به ، والثبوت عليه ، لا كثرة حفظه ، وجمع مسائله ، لأن في اليهود من هو مثل عبد الله بن سلام أو أعلم منه ، لكنه كفر فعدم عمله بما علم زلق عن العلم ، وعدم ثبوت ورسوخ فيه .
{ وَالمُؤمِنُونَ } : من أهل الكتاب ، وهم الذين لا يعدون في العلماء لكن معهم من العلم ما يؤدون به الفرض ، ويتركون المحرم ، وقيل: هم الراسخون أى متصفون بالرسوخ والايمان ، وقيل: المراد المؤمنون من المهاجرين والأنصار وغيرهم ممن آمن من العجم ، كسلمان وبلال ، وعلى كل حال المراد المؤمنون بالله ورسوله تحقيقا ، فانهم يؤمنون بالنبى محمد A والقرآن يوصلهم تحقق ايمانهم الى الايمان بهما ، كما يوصل الراسخين اليه رسوخهم ، وتحقيق العلم كما قال الله جل وعلا:
{ يُؤمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ } : من القرآن وسائر الوحى .
{ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ } : من كتب الله وسائر وحيه ، والايمان بكتاب بنى ما ايمان بذلك النبى ، والايمان بنبى ما ايمان بما انزل اليه .
{ وَالمُقِيمِينَ الصَّلاةَ } : أى واذكر يا محمد في هذا المقام المؤمنين المقيمين الصلاة ، أو لا تنسى المقيمين أو أعنى المقيمين أيضا ، أو أمدح المقيمين ، أو أذكر المقيمين ، وحكمة المجىء به مخالفا لما قبله الاشعار بفضلهم ، ومثل هذا عندى يجوز في الوسط والآخر لا في الآخر فقط ، كما قيل ، لأن هذا عطف ، وليس من قطع النعت فضلا عن أن يقال لا اتباع بعد قطع ، فهذا النصب جائز ، سواء جعلنا يؤمنون خبر الراسخون ، وأولئك سنؤتيهم خبر المؤتون ، أو يؤمنون حالا من ضمير المؤمنون على بقاء الوصفية ، مقيدة بما أنزل اليك لا مؤكدة ، وجعلنا أولئك سنؤتيهم خبر الراسخون ، وما عطف عليه .
ومن قال لا يجوز ذلك ولو في العطف الا في الآخر قال: يؤمنون خبر الراسخون ، أو جعل المقيمين معطوفا على ما أنزل اليك ، فيكون المقيمين هم الأنبياء ، أى يؤمنون بما أنزل اليك وما أنزل من قبلك ، وبالأنبياء المقيمين ، فيكون تصريحا بالايمان بهم بعد أن لوح الى الايمان بهم بدل الايمان بما أنزل عليهم تأكيدا ، أو يكونوا المقيمين الملائكة ، لأنهم يسبحون الليل والنهار لا يفترونن وقيل: المقيمين المؤمنون من هذه الأمة ، معطوف على الكاف ، وفيه أنه لو كان كذلك لترجح إعادة الخافض ولقيل ، وقيل المقيمين .
وفى مصحف عبد الله بن مسعود: والمقيمون بالواو ، وهى قراءة مالك بن دينار رضى الله عنه ، والجحدرى ، وعيسى الثقفى ، وهو معطوف على الراسخون ، أوعلى ضمير يؤمنون ، وخبر المرفوعات كلها أولئك سنؤتيهم ، ويؤمنون حال ما مر ، أو يؤمنون خبر ، والمقيمون مبتدأ خبره أولئك الى آخره ، يجوز عطف المرفوعات بعد يؤمنون على واوه ، أو على الراسخون ، والخبر يؤمنون ، فتكون واو يؤمنون عائدة على ما بعدها وقبلها اذا عطفهن على الراسخون ، ويكون أولئك مستأنفا اذا لم نجعله خبرا ، فأنت خبير بأوجه نصب المقيمين وأوجه رفعه عطفناهن .