{ ورَفَع أبويْهِ } بعد اشتمال داره بمصر عليهما { عَلى العَرشِ } السرير الذى كان يجلس عليه إكراما لهما { وخرُّوا } أى أبواه وإخوته الأحد عشر { له سُجَّدًا } بوضع الجباه على الأرض أو غيرها تعظيما له ، وكان ذلك تحية جائزة بينهم في ذلك الزمان ، لا عبادة لمخلوق .
قال ابن عباس رضى الله عنهما: جليس يعقوب عن يمينه ، وخالته عن شماله ، وإخوته بين يديه ، وسجدوا وقالوا في سجودهم: سبحان من ألف بين يوسف وإخوته ، ولا تعظيم فوق من عظمه الله بسجود أبيه له وهو نبى ، وأى نبى ، وفى سجوده إزاحة لأنففتهم عن السجود له ، وذلك هو الظاهر عندى .
وقيل: ليس ذلك سجودا كسجود الصلاة ، بل انحناه ، وضعَّف بأنه خلاف ظاهر خرورهم سجدا ، وقيل: سجدوا لله إلى جهة يوسف ، تعظيما له إلى الكعبة .
وعن الحسن: الهاء في له لله ، أى وخروا لله سجدا وهو ضعيف ، وقيل: الهاء ليوسف كما مر ، لكن على معنى انهم خروا لأجل يوسف سجدا لله وشكرا .
وأجمعوا أنه ليس السجود عبادة منهم ليوسف ، وظاهر الآية أن السجود كان بعد رفع أبويه على العرش ، فمهما سجدا له على العرش ، أو نزلا ، وقيل: كان قبله ولكن قدم الرفع اهتماما بذكره .
وروى أن يعقوب قال ليوسف بعد ما أفاق: أخبرنى ما فعل بك إخوتك يا حبيبى؟ قال: يا أبت كان ما كان ، وقص عليه قليلا من القصة فغشى عليه ، ثم أفاق فقال له: يا حبيبى أخبرنى كيف صنعوا بك؟ قال له: يا أبت مضى ما مضى فلا تذكر تلك أيام خلت ، وقد وصل الحبيب إلى الحبيب ، فلله الحمد على ذلك .
{ وقالَ يا أبتِ هذا } أى سجودكم { تأويلُ رُؤياىَ مِنْ قبلُ } متعلق برؤياى ، أو حال من رؤياى ، أو متعلق بمحذوف معرف ، أى لرؤياى الواقعة من قبل هذا الزمان في وقت الصبا ، وهى رؤيته أحد عشر كوكبا والشمس والقمر ساجدين له .
{ قَد جَعَلها ربِّى حقا } صدقا ، وبين رؤياه وتأوليها قال بعضهم: ثمانى عشرة سنة ، وقال سلمان: أربعون سنة ، وأبو صالح ، عن ابن عباس: اثنتان وعشرون ، وابن جبير ، وعكرمة ، والسدى: ست وثلاثون ، وقتادة: خمس وثلاثون ، وابن مسعود سبعون ، والفضيل بن عياض ثمانون ، وكذا قال الحسن ، قال: عمره وقت الجب سبع عشرة ، وأقام العبودية والسجن والملك ثمانين ، ومع أيبه وإخوه وأقاربه ثلاثا وعشرين ، ومات لمائة وعشرين ، وقيل لمائة وعشر .
{ وقَدْ أحْسن بى } أى إلىَّ ، والمعنى أوصل إلى النعم ، أو الباء للإلصاق { إذْ أخْرجنى من السِّجنِ } لم يذكر إخراجه من الجب ، مع أن إلقاءه في الجب أصعب من [ دخوله السجن ، لئلا يخجلهم بعد ما قال: { لا تثريب عليكم اليوم } ولأنه في مقام تعديد النعم ، ونعمة الله عليه في الإخراج من السجن أعظم منها في الإخراج من الجب ، لأنه أخرج من الجب للرق ، وأخرج من السجن للملك ، ذكر الوجهين الثعالبى ، وزاد الخازن وجها لكنه قول هو أن دخوله الجب كان لحسد إخوته ، ودخول السجن لنزول التهمة فكان أعظم نعمة .