{ وقَالَ الملِكَ } عطف على محذوف ، أى ورجع الساقى مرة ثانية أو ثالثة من السجن على ما مر ، وقال الملك: أرسله أو لا ليعبر له ، ثم ثانيا ليخرج فلم يخرج ، ثم ثالثا ليخبره بما قالت السنوة ، ثم طلبت الآن أين يؤتى به بلا معاودة { ائتُونى } بيوسف .
من كتب هذا إلى قوله: { المحسنين } وقد عطل عن التصرف والعمل ، وصام الخميس والجمعة أول الشهر ، وقرأ ذلك ليلة الجمعةعند دخول فراشه للنوم ، وكتبه يوم الجمعة بين الظهر والعصر ، وإذا أفطر قرأه ثم صلى العشاء ، ثم قرأه ودخل الفراش ، وقرأه أيضا وهلل مائة تهليلة ، وكبر مائة تكبيرة ، وحمد الله سبحانه وتعالى مائة حمدة ، وسبحه مائة تسبيحة ، واستغفر مائة استغفار ، وصلى على رسول الله A مائة مرة ثم نام وإذا أصبح نوى ألا يظلم أحدا ولا يتعدى الحق ، ثم علق الكتاب خارج داره على نفسه فإنه يتصرف ويعلن من جمعته تلك أو قريب منها ، ولم يحسن أو يقرأ الآيات جعلها تحت رأسه وفعل ما مر .
{ أسْتخلِصْه } السين والتاء للمبالغة ، أى أبالغ في اختصاصى به ، وفى جعله خالصا لنفسى ، ومن عاد الملوك الانفراد بالأشياء النفسية ، قال ذلك لما رأى من براءته وأمانته وعلمه ، وتعبير رؤياه كما روى الخباز والساقى ، وصبره وإحسانه إلى أهل السجن ، وأدبه وثباته في المحن ، فهذ الساقى وغيره ليأتوا بيوسف .
روى أنه أرسل إليه عجلته التى كان يركبها ، وهى من ذهب وشدت ، في أعناق الفيلة بسلاسل الذهب ، وأحاطت الفرسان بها ، واصطفت الرجال خلق الفرسان ، وضربون له سماطا من باب السجن إلى باب الملك ، وأمر أن تزين مصر بأنواع الزينة ، وأن ترخى الستور على الحيطان ، وأرسل حوارى مكشوفات الوجوه بالمجامير في أيديهن ، وعليهن أنواع الحرير والديباج ، وأرسل العسكر كله لاستقبال يوسف عليه السلام ، قيل: كان بين السجن ومصر أربعة فراسخ ، وبعث إليه خلعة عظيمة وقال: لا أخرج من السجن حتى لا يبقى فيه أحد ، فأمر الملك بإطلاق جميع ما فيه فقال: بسم الله الرحمن الرحيم ثم ركب .
وروى أنه لما أراد الخروج دعا لأهل السجون: اللهم عطِّف عليهم قلوب الأخيار ولا تُعمِّ عليهم الأخبار ، فهم أعلم الناس بالأخيار في كل بلد ، ولما خرج كتب بباب السجن: هذا بيت البلوى ، وقبر الأحياء ، وشماتة الأعداء ، وتجبة الأصدقاء . وإنما خرج بعد ما غسل نفسه من درن السجن ، ولبس الثيابت الضيقة الجديدة ، ولما وقف على باب الملك قال: حسبى ربى من دنياى وحسبى ربى من خلقه ، عز جاره ، وجل ثناؤه ، ولا إله غيره ، ولما أبصر الملك قال: اللهم إنى أسألك بخيرك من خيره ، وأعوذ بك من شره وشر غيره ، قاله وهب بن منبه ، ولما نظر إليه الملك سلم عليه يوسف بالعبرية ، ودعا له بها ، فقال له: ما هذا اللسان؟ أى ما هذه اللغة؟ فقال: لسان آبائى وكان الملك يتكلم بسبعين لسانا ، وكلما كلمه بلسان أجابه يوسف به ، وزاد عليه بالعربية والعبرية ، وكان الملك لا يغرقهما ، وأعجب الملك ما رأى منه مع حداثة سنه ، كان ابن ثلاثين سنة .