{ اللّهُ ولىُّ الَّذِينَ آمنوا } : أى محبهم ، والمحب يلى محبوبه بالنصر والعون فنصره تعالى لا يفارق الذين آمنوا ، ويجوز أن يكون المعنى متولى الذين آمنوا ، أى متكفل بمصالحهم ، والمراد بالذين آمنوا من أسلم من كفر ، وقضى اله له بالثبات ويدل له قوله:
{ يُخْرِجْهُم مِنَ الظُّلماتِ } : أى من الكفر بتوفيقه .
{ إلىَ النُّورِ } : الإيمان ، وقيل الظلمات ما يوصل إلى الكفر من الجهل وإتباع الهوى ، والوساوس والشبه ، والنور ما يوصل إلى الإيمان وقيل: الذين آمنوا كل من آمن بمحمد صلى الل عليه وسلم ، ولو لم يكفر قبل ذلك ولا ينافيه لفظ الإخراج ، على أن معنى إخراجهم من الظلمات إيقاعه إياهم بتوفيقه في الإيمان تقدمه كفرا ، ولم يتقدمه استعمالا للخاص وهو الإخراج من الظلمات بعد كونه فيها في العام ، وهو الإيقاع في غير الظلمات ، بلا قيد تقدم كون فيها ، قيل: كل ما كان في القرآن من الظلمات والنور فهو الكفر والإيمان إلا في قوله تعالى: { وجعل الظلمات والنور } فى سورة الأنعام ، فالليل والنهار ، أو كل ظلمة كما في الليل ، وأرض البحر ولُجَجَهُ ، والغار وكل مكان مظلم ، وكل نور كالشمس والقمر والنجوم والمصباح ، لكن لا يزلم هذا ، لجواز أن يراد أيضًا جعل الكفر والإيمان ، وسمى الإيمان نورًا لأنه يتوصل به إلى النجاة والفوز ، كما يتوصل بالنور المحسوس إلى المحل المقصود والحاجة المقصودة ولينجى به من الوقوع في نحو البئر ، ولاكون بحضرة المهالك ، كالحية والسبع ، والكفر بعكس ذلك ، وجملة يخرجهم خبر ثان للفظ الجلالة أو حال من الضمير المستتر في ولى ، أو مستأنفة لتقريره الولاية في قوله تعالى: { الله ولى الذين آمنوا } .
وَالَّذِينَ كَفُروا أولياؤهم الطَّاغُوتُ: أخبر به على الجمع ، لأنه جنس ، أو لأنهُ يطلق على الواحد الجمع كما مر ، والمراد الكفار مطلقا معنى كون أولياؤهم الطاغوت أنهم يعدون الطاغوت ناصرًا لهم ونافعاص ، هذا في زُعمم ، والواقع غير ذلك ، أو يليهم بالوسوسة والتزيين .
{ يُخرجُونَهم مِنَ النُورِ إلىَ الظُّلماتِ } : فيه الإعراب السابق بأقسامه ، والنور الإيمان الذى يفطر عليه الصبى حتى يبلغ ويسعى أهله في تفكيره ، وغير أهله أو الإيمان مطلقا لم يسبقه كفر ، أو سبقه ، والظلمات الكفر وأسبابه كالانهماك في الشهوات ، ويجوز أن يكون النور دلائل الدين كآيات القرآن ، والظلمات الشكوك والشبهات ، ومعنى إخراجهم من الآيات ونحوها إلى الظلمات كون أولياؤهم سببًا في الشكوك والشبهات والإعراض عن الآيات ونحوها ، وقد قال بعض: إن الآية نزلت في قوم ارتدوا ، وقيل: في اليهود أيقنوا بمحمد وكتابه وهما نور ، فلما بعث جحدوا ذلك وكفروا به ، وقيل . كعب بن أشرف وحُيَى بن أخطب ، وإذا فسرنا الآية بما لم يكن صابحها في الإسلام ، فمعنى الإخراج مطلق عدم كون في الإسلام إطلاق للمقيد على المطلق على حد مَا مر ، ولك وجه آخر وهو أن يشار بالتبعير بالإخراج من النور إلى أن الإيمان لوضوح دلائله ، كأنه قد دخله كل بالغ كافر ، ثم خرج منه وأسند الإخراج إلى الطاغوت ، لأنه سبب ، والفاعل الحقيق الله .
{ أولئِك أصْحابُ النَّارِ هُم فِيها خَالِدُونَ } : فمن كان يطيق على الخلود في النار فليكفر ، أو ليبق على الكفر ولا مطيق عليه ، ولم يقل بعد هذا والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة فيها خالدون تعظيم ، لشأن المؤمنين أن يذكرهم بوعد متصل بوعيد الكفرة والله أعلم .