{ إِنَّ المُنَافِقِينَ فِى الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ } : ان الذين أتوا بالقول ، وضيعوا العمل ، سواء كان أيضا الشرك في قلوبهم أو لم يكنم ، وقال غير أصحابنا: المنافقون هم الذين أظهروا الشرك ، وأظهروا التوحيد ، وقال أصحابنا: هم الذين ضيعوا العمل وفى ألسنتهم وقلوبهم التوحيد ، ويدل له قوله صلى لله عليه سلم: « ثلاث من كن فيه فهو منافق وان صام وصلى وزعم أنه مسلم: من اذا حدث كذب ، واذا وعد أخلف ، واذا اؤتمن خان » .
وزعم غيرهم أنه سمى من كن فيه منافقا تغليظا وتشبيها بمن أضمر الشرك ، وهو خلاف الظاهر ، نعم الذى يظهر لى أن المنافق يطلق بالوجهين ، كما رأيت الدلائل كالمنافقين في صورة التوبة فان الظاهر أنهم مشركون ، وذكر الخازن قول أصحابنا بقوله ، وقيل: هو الذي يصف الاسلام بلسانه ، ولا يعلم بشرائعه ، أو عنى قوله حذيفة المنافق الذى يصف الاسلام ، ولا يعمل به ، وقول الحسن أبى على: النافق زمان ، وهو متروك فيه ، فأصبح قد عمم وقلد وأعطى سيفا يعنى الحجاج .
وقول ابن عمر لما قال له: ندخل على السلطان ونتكلم بكلام فذا خرجنا تكلمنا بخلاف إنا كنا نعد هذا من النفاق ، وهذه الروايات دلائل لأصحابنا .
والدرك الأسفل من النار طبقة السفلى من النبار ، سميت طبقاتها دركات لأنها تداركت آى تلاحقت واتصلت يتلوا بعض بعضا ، وبعض تحت بعض متصل به ، وانما كان المنافقون في سفلاهن على مذهب أصحابنا فيما يظهر لى ، لأنهم علموا ما لم يعلمه المشركون وحققوا ما لم يحقق المشركون ، ودركات جنهم سبع ، وقد قال A: « ويل لمن علم ولم يعمل سبع مرات » فكانت لهم مجاوزة ست دركات والوقوع في السابعة الجامعة لأنواع عذاب الست وزيادة ، ولأنهم شاركوا المشركين في مطلق المعاصى ، وزادوا بالخدع للمسلمين وغشهم .
والاستهزاء بالايمان وان لم يكونوا بصورة الخداع ، وظهر أمرهم ففيهم الاستهزاء به وان أضمروا الشرك اذا أطلقنا اسم المشرك على مضمره ، ففيهم تلك الشرور كلها مع عظم الخدع بكونه بالشرك ، ولا سيما أن ضموا اليه نقل أسرار المسلمين للمشركين ، والدلالة على المسلمين لمن يقتلهم أو يأخذ مالهم ، وكانوا أشد تمكنا من المسلمين ، لأنهم عدو داخل ، ومن حضر منهم رسول الله A فهو أشد عذابا ، لأنه شاهد المعجزات الحق أرق .
قال أبو هريرة ، وابن سعود وغيرهم: المنافقون في الدرك الأسفل من النار في توابيت من النار ، تقفل عليهم ، وتوقد النار من تحتهم وفوقهم ، وعبارة بعض غير أصحابنا أن المنافقين مختصون بزمان رسول الله A ، وليس على ظاهره ، وانما أراد نفى تسمية من فسق بعد موته منافقا ، لم يرد أنه ان اتصف أحد بعده صلى الله عليه سلم بصفة المنافقين على عهده لا يسمى منافقا ، وغير أصحابنا يقولون: ان الفسقة من هذه الأمة يكونون في الطبقة الأولى من النار ، وهى الأعلى والظاهر أنهم يقولون كذلك في فسقه سائر الأمم ، وأنهم يقولون باخراجهم أيضا من النار ، كما يقولون في فسقه هذه الأمة ، وقرأ الكوفيون باسكان راء الدرك والفتح أولى ، لأنه يجمع على ادراك لا أدرك ، وفسر بعضهم الدرك بالفتح والاسكان ببيت مقفل عليهم توقد النار فوقه وتحته ، وبعض بتابوت توقد فوقه وتحته .