{ وألَّفَ بَيْن قُلُوبهِم } قلوب المؤمنين على الإطلاق ، وأزال حمئة العرب والعصبية التى تستعملها العرب في أدنى شئ ، وكانوا يكاد لا يتألف فيهم قلبان ، وأزال ذلك منهم حتى صاروا كنفس واحدة ، وذلك إعانة للنبى A ومعجزة له ومن جملة ذلك ما كان بين الأوس والخزرج ، فزال ذلك بالإسلام ، وقد قال الأكثرون: إن المراد بالمؤمنين الأوس والخزرج ، وإن الآية فيهم ، ألف بينهم وصاروا أنصار الله ورسوله A ، وكانت بينهم أحقاد لا أمد لها ، ووقائع هلكت فيها سادتهم ، وتحاور يحيج الضغائن ، وأشعار تديم التحاسد والتنافس ، وعادة كل من الطائفتين أن تكره ما أحبته الأخرى وتنفر عنه ، فأنساهم الله ذلك ، وقال ابن مسعود: نزلت الآية في المتحابين في الله ، وقال مجاهد: إذا ترآى المتحابان في الله فتصافحا وتضاحكا تحاتت خطاياهما ، فقال له عبدة بن أبى لبانة: إن هذا ليسير ، فقال: لا تقل ذلك ، فإن الله سبحانه يقول:
{ لَوْ أنفقْتَ ما في الأرْض جَميعًا ما ألَّفْت بين قلُوبهم ولكنَّ اللهَ ألَّفَ بيْنَهم } قال عبدة: فعرفت أنه أفقه منى ، وعن سهل بن سعد ، عن رسول الله A: « المؤمن ما ألفه لا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف » قالوا: من كان من أهل الخير ألف أشباهه وألفوه ، وكانت الحرب بين لأوس والخزرج قبل مبعث النبى A بأربعين سنة ، يجتمعون فيقتلون في كل عام ، كانوا يقتتلون في حرب رجل يقال له شمير ، وكانوا عند مبعث النبى A في حرب حاطب بن عبد الله مولى لهم ، وأنزل الله بينهم الترحم ، ووافقوا النبى A ، وسموا أنصارا ، وجعل بلدتهم دار هجرة ومتبوَّأ للإيمان ، وسماها المدينة بغير حضار عليها ، وأكرمهم بنبيه ، أقام فيهم عشر سنين ، وجعل مدفنه فيها .
وكان يوصى بالأنصار خيرا ويقول: « استوصوا بالأنصار خيرا اقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم ، فقد قضوا ما عليهم ، وبقى الذى لهم اللَّهم اغفر للأنصار ، وذرارى الأنصار » وقال للأنصار: « موعدكم الكوثر » قالوا: ما الكوثر يا رسول الله؟ قال: « نهر لى في الجنة شرابه أبيض من اللبن ، وأبرد من الثلج ، وأحلى من العسل ، عليه غلمان مخلدون ، كعدد نجوم السماء ، معهم الأباريق لا يسقون إلا من أمرت ، فآويكم يومئذ كما آويتمونى في الدنيا » قالوا: قد رضينا يا رسول الله ، فقال لهم: « يا معشر الأنصار لولا الهجرة لكنت امرئ منكم ، ولو سلك الناس واديا أو شِعْبا لسلكت واديكم وشعبكم »
ولم يقسم يوم حنين لهم شيئا ووجدوا من ذلك ، فقالوا: أعطى قريشا وآثر علينا إذا كانت الحرب صلينا بحرها وشدتها ، وإذا كانت الغنائم كانت لغيرنا أعطى قوما سيوفنا تقطر من دمائهم ، ادخلوا فساطيطكم فلا يؤثر رسول الله عليه وسلم إلا الحسن الجميل ، فقال رسول الله A وهو جالس في ناس من قريش: