{ إنَّ الَّذِينَ اتَّخذوا العجْلَ } إلهًا { سَينَالهم } يصيبهم ، هذا كلام من الله لموسى قبل أن ينالهم ، فالسين على حاله من الدلالة على الاستقبال ، لا بعد أن نالهم ، ولا لنبينا ، فضلا عن أن نحتاج إلى قول بعضهم: إن السين قد تأتى للاستمرار { غَضبٌ مِّن ربِّهم } وهو ما أمرهم به من قتل أنفسهم توبة ، فهو بمعنى العقوبة وإحلال النقمة فهو صفة فعل ، أو هو إرادته بهم ما يسوءهم وهو القتل ، أي ينالهم ما تضمنته هذه الإرادة فهو صفة ذات { وذلةٌ في الحياةِ الدُّنيا } هى إسلامهم أنفسهم للقتل ، أو خروجهم من ديارهم بالقتل ، فإنهم إذا قتلوا فقد أخرجوا عنها ، ولا يعودون إليها ، وفي متعلقة بينال ، أو يتنازع فيها مع ما بعدها غضب وذلة ، وأما في الآخرة فلا يصيبهم غضب ولا ذلة لتوبتهم .
هذا ما ظهر لى ، ثم اطلعت على أنه مذهب الجمهور ، وقال ابن جريج: المراد بثؤلاء من لم يتب فلم يسلم نفسه للقتل ، وبالغضب عليهم الغضب الذى يصيبهم في الآخرة ، فيعاقبون بالنار ، والمراد بالذلة ما يصيبهم من الهوان في الدنيا ، ففى متعلقة بالذلة ، ويجوز الوجهان السابقان في التعلق ، فإن من يناله الغضب في الآخرة فقد ناله أيضًا في الدنيا ، بمعنى أنه قد ثبت عليه وعدله وهو في الدنيا .
وقال ابن عباس ، وعطية العوفى: إن هذا كلام من الله لسيدنا محمد A ، والمراد اليهود الذين في زمانه ، وعليه فنسبة اتخاذ العجل إليهم إما على طريق العرب في نسبة فعل الأب للابن في المدح والذم ، وإما على حذف مضاف أولا وآخرًا أى إن عقاب الذين اتخذوا العجل سينالهم ، أو إن الذين اتخذوا العجل سينالهم عقابهم ، فقال ابن عباس: الغضب عذاب الآخرة ، والذلة الجزية ، وقال عطية: الغضب والذلة ما أصاب بنى النضير وقريظة من القتل والإخراج من الديار والأموال ، وقيل: الغضب القتل والإخراج ، والذلة الجزية .
{ وَكَذلكَ نَجْزى المُفْتَرِين } الكاذبين على الله ، ولا فرية أعظم من قول السامرى: هذا إلهكم وإله موسى ، وقيل: ولعله لم يفتر مثلها أحد قبله ولا بعده ، قال أبو قلابة ، ومالك بن أنس ، وسفيان بن عيينة: الغضب والذلة جزاء كل مفتر إلى يوم القيامة ، وعابد غير الله مفتر عدوًا لله ، والمتدع في الدين مفتر عليه ، واستدلوا بالآية .