{ قُلْ أرأيتُكم } أخبرونى أيها الكفرة العبدة الأصنام ، وذلك أن الرؤية أو العلم بالشئ سبب للإخبار الاستفهامى ، والكاف حرف خطاب أكدت به التاء ، والميم هى التى تتصل بالتاء في نحو: ضربتكم ، لكن فصلت بينهما الكاف ، وليست بالتى تتصل بالكاف في نحو ضربكم ، فالفاعل التاء ، والميم علامة على أن المراد بها الجماعة ، والكاف تأكيد للخطاب بها والفصل بها ، مما يدل على أن الفاعل في نحو ضربتم هو التاء وحدها ولواحقها علامات على المراد إذ لا يفصل بعض الضمير ولم تؤخر الكاف لئلا يكون اللفظ على صيغة غير واردة ، ولم تقدم لأن المؤكد بعد المؤكد ، ولأن بصيغة ضمير النصب وهو لا يسبق في الاتصال ضمير الرفع ، وأصل هذه التاء الضم ، لأنها التى تتصل مع الميم الشبيهة بالواو التى تناسب الضم في نحو: ضربتم ، ولكن لما فصلت بالكاف رجعت لأصلها الأول وهو الفتح ، لأنها الخطاب ، هذا ما ظهر لى في تحقيق المقام .
وظهر لى وجه آخر هو أن التاء فاعل كما في الوجه الأول المراد به الجماعة كما في الوجه الأول ، لكن ليست الميم لها ، بل للكاف كميم ذلكم ، استغنى بهما إذ كان الكاف للخطاب ، والميم حرف للجماعة جماعة الذكور ، لعدم حرف علامة الإناث عما يلحق التاء من الميم في نحو: ضربتم ، والكاف أيضا في هذا الوجه حرف خطاب ، وقال الكوفيون: الكاف مفعول به ، والميم له لا للتاء ، ويرده أنه يقال: أرأيتك زيدًا ما شأنه ، أو أرأيت زيدًا قائمًا ، فيلزم أن يتعدى رأى إلى مفاعيل ثلاثة بلا همزة للاستفهام ، ولأنه لو كان كذلك قليل أرأيتموكم ، وقد ذكر غير هذا البحث في سورة الأسرى أو غيرها ، والهمزة بعد الراء مسهلة في أرأيتم ، أو رأيت وأرأيتم وأفرأيتم ونحو ذلك مما فيه قبل الراء همزة عند نافع ، ومحذوفة عند الكسائى ، ومحققة عند حمزة والباقين إلا أن حمزة يسهلها في الوقف .
{ إنْ أتاكُم عذابُ الله } كما أتى غيركم ممن كان قبلكم كالغرق والمسخ ، والخسف والريح والصيحة ، وكالضر الذى يصيب ، كغرق السفينة ، وهجوم القدم والمرض ، وجواب إن محذوف دل عليه أرأيتكم ، وجملة أغير الله تدعون مفعول به برأيتم منعتها عن العمل ، وإنما نصب أرأيتكم المفعول وهو الجملة ، مع أنه بمعنى أخبرونا ، لأن فيه معنى أعلمونا ، وباب العلم والظن ينصب الجملة ويعلق عنها بالاستفهام مثلا أودع عنك معنى أخبرونا ، وقد بمعنى أعلمتم بفتح العين بعد همزة الاستفهام ، والمفعول لجملة كذلك ، وقامت مقام مفعولين ، أو قل مفعولاه محذوفان ، أى أرأيتكم آلهتكم تنفعكم ، أى هل علمتم آلهتكم تنفعكم
{ أو أتتكم السَّاعة } يوم القيامة ، وإذا لم تجعل قوله D { أغير اللهِ } الاستفهام للإنكار { تدْعُون } مفعولا لرأيتكم فهو مستأنف أغنى عن جواب قوله: { إنْ كُنتُم صَادقِينَ } وإذا جعلناه مفعولا لرأيتكم فمجموع { أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون } مغن عن جوابه ، وغير مفعول لتدعون على كل حال ، والمعنى إن كنتم صادقين في أن الأصنام تقربكم إلى اله أو في إن الأصنام تنفعكم ، وقيل: جواب إن محذوف تقديره إن كنتم صادقين فادعوه ، أى فادعوا غير الله .